يمثل تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية في مصر واحدة من أكثر التجارب التي شهدت انتقالًا بين أدوات مختلفة للتأثير السياسي والمجتمعي، إذ لم يقتصر نشاط الجماعة على العمل السياسي، وإنما ارتبط في مراحل مختلفة بخطابات حادة تجاه مؤسسات الدولة، وظهرت مواقف وتصريحات اعتُبرت من جانب الدولة ومراقبين تحريضية ضد مؤسسات ومصالح عامة.
ومع تطور الأحداث السياسية في مصر، تحولت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إلى ساحات رئيسية لإعادة نشر هذه الخطابات، خاصة بعد خروج قيادات وعناصر الجماعة من المشهد السياسي المباشر، حيث اعتمدت منصات محسوبة عليها على بث رسائل تستهدف التشكيك في مؤسسات الدولة، وإعادة تفسير الأحداث بما يخدم رواية سياسية محددة.
وتكشف متابعة الخطاب الإخواني عبر السنوات عن اعتماد متكرر على مفردات تتعلق بالأزمة والصدام والمواجهة، بالتزامن مع محاولة تقديم مؤسسات الدولة باعتبارها طرفًا في صراع سياسي، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مؤسسات وطنية تؤدي أدوارًا دستورية وقانونية.
استهداف مؤسسات الدولة
وتنوعت الرسائل التي بثتها المنصات الإخوانية بين التشكيك في مؤسسات الدولة، وانتقاد مؤسسات إنفاذ القانون، واستهداف القضاء والجيش والشرطة، إلى جانب محاولة تصوير أي إجراءات تتخذها الدولة باعتبارها جزءًا من صراع سياسي.
كما استُخدمت مواقع التواصل الاجتماعي في إعادة نشر مقاطع قديمة أو تصريحات مجتزأة، إلى جانب تداول معلومات غير موثقة، وهو ما أدى في أحيان كثيرة إلى خلق حالة من الجدل والارتباك لدى الجمهور.
ومع اتساع نطاق استخدام المنصات الرقمية، أصبحت عملية إعادة إنتاج الرسائل أكثر سهولة، إذ يمكن للمعلومة الواحدة أن تنتقل من منصة إلى أخرى خلال دقائق، ثم تعود مرة أخرى في صورة خبر أو فيديو أو منشور يحمل عنوانًا مختلفًا.
التحريض كأداة للتأثير
ولا تقف خطورة خطاب التحريض عند مضمون الرسالة الأصلية، وإنما تمتد إلى طريقة تقديمها وإعادة تدويرها، خاصة عندما ترتبط الرسالة بحدث حساس أو أزمة داخلية.
وفي هذا السياق، أصبحت مواجهة الخطاب التحريضي مرتبطة برفع قدرة الجمهور على التحقق، وعدم التعامل مع كل ما ينشر عبر المنصات باعتباره حقيقة، مع ضرورة الرجوع إلى المصادر الرسمية والمعلومات الموثقة عند التعامل مع القضايا العامة.
كما أن توثيق الوقائع التاريخية يمثل عنصرًا أساسيًا في فهم تطور خطاب الجماعة، بعيدًا عن الانتقائية أو الاعتماد على مقاطع منفردة خارج سياقها، بما يسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن طبيعة الخطاب ومراحل تغيره.
وقال طارق البرديسي، الباحث والخبير السياسي، إن جماعة الإخوان الإرهابية اعتمدت على خطاب يقوم على الاستقطاب السياسي ومحاولة خلق حالة مستمرة من الصدام مع مؤسسات الدولة.
وأوضح البرديسي أن الجماعة، بعد تراجع حضورها السياسي المباشر، حاولت نقل جزء كبير من نشاطها إلى المجال الإعلامي والرقمي، من خلال منصات تعمل على إعادة إنتاج خطاب التشكيك واستدعاء الأحداث القديمة وتقديمها في سياقات جديدة.
وأضاف أن استهداف مؤسسات الدولة يمثل أحد المحاور الرئيسية في الخطاب الذي تتبناه المنصات المحسوبة على الجماعة، موضحًا أن الهدف من ذلك يتجاوز انتقاد قرار أو سياسة بعينها إلى محاولة التأثير في صورة المؤسسات لدى الرأي العام.
وأشار الباحث والخبير السياسي إلى أن مواجهة هذا الخطاب تحتاج إلى توثيق الحقائق والوقائع، وتقديم المعلومات للرأي العام بصورة واضحة، إلى جانب رفع مستوى الوعي لدى الشباب، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى مصدر وحيد للحصول على المعلومات.
وأكد البرديسي أن قراءة تاريخ الجماعة وخطابها خلال السنوات الماضية تساعد على فهم الأدوات التي تستخدمها حاليًا، خاصة أن تغير المنصات ووسائل الاتصال لا يعني بالضرورة تغير الرسائل الأساسية التي يتم بثها.