لم يكن يدرك حسن البنّا، مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية ، أن مسيرته التنظيمية والسياسية ستنتهي على أيدي أتباعه ومريديه الذين آمنوا بفكرته وساروا في ركب جماعته. فقد اشتعلت اللحظات الأخيرة من حياته بنيران الخلافات الحادة بينه وبين قيادات "النظام الخاص" المسلح، الذي سيطر على مقاليد المكوّن التنظيمي للجماعة.
وفي هذا السياق، قال عمرو فاروق الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن البنّا أسس "النظام الخاص" ككيان مسلح عام 1940 ليكون بمثابة النواة الأولى للجيش الإسلامي، واستُعمل في فرض سياسة القوة مع المخالفين. وأوضح" فاروق" أن البنّا وضع لهذا النظام آليات تربوية وفكرية تختلف كلياً عن قواعد الجماعة التنظيمية، تمهيداً لإقامة "دولة الخلافة" وفقاً لسياسة "القوى المؤجلة".
جذور التكفير واستراتيجيات المواجهة
وأضاف الباحث عمرو فاروق أن الأفكار الجوهرية لمشروع البنّا ارتكزت على مفاهيم الحاكمية والعزلة الشعورية وجاهلية المجتمع، عبر "استراتيجية المجتمعات الموازية" و"الكيانات البديلة" التي صنعت الانعزالية الفكرية للقواعد. وأكد" فاروق" أن البنّا كان أول من أصّل لمبادئ الجاهلية والعزلة الشعورية، وليس سيد قطب الذي جاءت توجهاته كامتداد لمشروع البنّا بلغة أكثر عدائية.
وتابع "فاروق" أن البنّا امتلك تكويناً سياسياً وظّفه في "استراتيجية التغيير من أسفل" والاختراق المتدرج للمجتمع عبر "نظام الأسر" و"الكتائب" و"الجوالة" وصولاً إلى "النظام الخاص". مشيراً إلى أن الجماعة وظّفت لاحقاً مقتله سياسياً ودينياً عبر تسويق "قداسة المؤسس" و"المظلومية السياسية" لغسل سمعتها من قضايا العنف والإرهاب.
رسالة "المنهج" السرية وخيار العنف
وأشار الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن البنّا صاغ رسالة شهيرة بـ "المنهج" لتشكيل وجدان قيادات النظام الخاص، وظلت محجوبة عن القواعد التنظيمية لسنوات طويلة حتى لا يُقال إن منهج المؤسس يدعو صراحة إلى العنف المسلح، ولم تُسرّب وتُقرّ رسمياً إلا في نهاية تسعينيات القرن الماضي.
واستشهد فاروق بما وثقه القيادي بالنظام الخاص، أحمد عادل كمال، في كتابه "النقط فوق الحروف"، حيث أكد أن البنّا كتب تلك الرسالة وحدد فيها مرحلة الوصول إلى 12 ألف مقاتل، مشيراً إلى أن القيادة سحبتها لاحقاً لكونها كانت "عنيفة إلى حد ما".
صراع السندي والبنّا.. ونقطة التحول
ولفت عمرو فاروق إلى أن الفترة بين عامي 1944 و1948 شهدت تصاعداً لممارسات العنف والإرهاب ضد رموز الدولة، وصولاً إلى ضبط قضية "السيارة الجيب" في نوفمبر 1948، والتي كانت نقطة فاصلة صدَرَ إثرها قرار حل التنظيم، ليرد النظام الخاص باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي في ديسمبر من العام نفسه.
وأوضح فاروق أن البنّا حاول تهدئة الرأي العام بإصدار بيان "هذا بيان للناس" في يناير 1949 ينعي فيه النقراشي، لكن النظام الخاص سارع بتفجير محكمة الاستئناف بالقاهرة لإتلاف أدلة قضية السيارة الجيب. ونتيجة لذلك، ارتفعت حدة الصراع بين البنّا وعبد الرحمن السندي، مسؤول النظام الخاص، حول سلطة القرار وإعادة هيكلة التنظيم المسلح.
التفاوض والبيان الشهير
وذكر الباحث عمرو فاروق أن البنّا حاول التفاوض مع الحكومة ودفع "الدية"، إلا أنه علم باتجاه رسمي لإدانته كشريك ومحرض أول على الاغتيالات. وقاد التفاوضَ وزيرُ الدولة حينها مصطفى مرعي بتكليف من رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي في ذلك الوقت، وبالتنسيق مع الكاتب الصحفي مصطفى أمين.
وأضاف فاروق أن البنّا، وتحت ضغط الخوف من الملاحقة القضائية من جهة، وتهديدات قيادات النظام الخاص باغتياله من جهة أخرى، وافق على إصدار بيان يتبرأ فيه من المنفذين. وصاغ مصطفى أمين البيان معنوناً إياه بـ "ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"، بناءً على مقترحات قدمها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل.
ووفقاً لما أوضحه الباحث، فإن محمود عساف، مؤسس جهاز مخابرات الإخوان، كشف في مذكراته "مع الإمام حسن البنا" تفاصيل هذا التفاوض المحموم مع الحكومة والملك فاروق للخروج من الأزمة بأي طريقة.
اللحظات الأخيرة وحقيقة الاغتيال
واختتم الباحث عمرو فاروق تحليله بالإشارة إلى أن تخوف البنّا من اغتياله على أيدي رفاقه تحقق بالفعل في 12 فبراير 1949، بعد تأكدهم من نبيّته تسليم وزارة الداخلية كشفاً بأسماء عناصر التنظيم المسلح وأوكارهم ومحطة الإذاعة السرية، ليلصق التنظيم التهمة لاحقاً بالحكومة والملك.
واستدل فاروق بما نشرته صحيفة "الأهرام" في عددها الصادر يوم 12 فبراير 1949، والتي أكدت فيه أن الإخوان هم من قتلوا البنّا إثر خطابات أرسلها للداخلية يعلن فيها اعتزامه تسليم المحطة السرية والأسلحة، وتلقيه خطابات تهديد بالقتل. كما أشار فاروق إلى دراسة المفكر الراحل رفعت السعيد التي وثقت ذهاب كبار قيادات الإخوان (منهم الهضيبي والغزالي) لتقديم الولاء للملك فاروق بقصر عابدين عام 1951، متسائلاً: كيف يجددون الولاء لمن يتهمونه بدم مؤسسهم؟ وهو ما أيده القيادي السابق بالنظام الخاص محمد نجيب في شهادته عام 2008، مؤكداً براءة الملك فاروق وحكومته تماماً من دم حسن البنّا.