في مكالمة هاتفية عابرة، ترن على جوال الفنان الكبير يحيى الفخراني، يأتيه صوت مذبوح من الألم لسيدة تقاوم دموعها؛ إنها أرملة الفنان الراحل اسماعيل ياسين، تسأل الفخراني أن يبحث لابنها عن أي عمل. اي عمل. تخيلوا معي هذا المشهد للحظة واحدة: ابن الرجل الذي هزت ضحكاته جدران دور العرض من طنطا إلى الإسكندرية، الرجل الذي كان المنتجون يتسابقون على بابه، الرجل الذي ما زالت أفلامه تعرض حتى اللحظة على القنوات الفضائية وعلى المنصات الرقمية وتدر ملايين الجنيهات، يعيش ابنه على فتات ما يجود به الأصدقاء.
هذا المشهد وحده يكفي لتلخيص القضية التي تعصف بالوسط الفني المصري منذ أيام، والتي فجرها اقتراح تقدم به الفنان والنائب ياسر جلال عضو مجلس الشيوخ لتفعيل حق الأداء العلني للفنانين والمؤلفين والمخرجين والملحنين، استنادا إلى المواد المنصوص عليها في قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، بعد أن وافق مجلس الشيوخ على الاقتراح في جلسته العامة في 22 يونيو 2026 وأحال تقرير اللجنة المختصة الى الحكومة لتنفيذ توصياته.
ما هو حق الأداء العلني؟ ولماذا عاد إلى الواجهة الآن؟
في تعريف مبسط، حق الأداء العلني هو مقابل مالي يحصل عليه صاحب العمل الفني كلما أعيد عرض عمله أمام الجمهور، سواء عبر القنوات الفضائية أو المنصات الرقمية أو دور العرض او الاماكن العامة. وهو ليس اختراعا مصريا، بل هو قانون معمول به في العالم كله منذ أكثر من 150 عاما، وموقعة عليه مصر ضمن اتفاقية برن لحماية المصنفات الادبية والفنية منذ عام 1886.
المفارقة المؤلمة، أن المؤلفين والملحنين الموسيقيين في مصر يحصلون بالفعل على هذا الحق منذ عقود عبر جمعية المؤلفين والملحنين المصرية "ساسيرو"، أما الممثلون والمخرجون وكتاب السيناريو فيحرمون منه، وكأنهم مواطنون من درجة ثانية داخل صناعة صنعوها بأيديهم.
خرافة يجب أن تنكسر.. المبدع لا يمد يده إلى جيب المنتج
قبل أن نمضي أبعد، يجب أن نصحح مغالطة كبرى تشوش النقاش وتصنع خصومة مفتعلة بين المبدعين والمنتجين. حق الأداء العلني، بالصورة التي طرحها ياسر جلال ودعمتها نقابتا المهن التمثيلية والسينمائية، لا يفرض على المنتج أن يدفع قرشا واحدا من جيبه. الجهة الملزمة بالسداد هي جهات العرض ذاتها؛ القنوات الفضائية والمنصات الرقمية ودور العرض، وهي الجهات التي تحقق أرباحا مباشرة من الاعلانات ومن رسوم الاشتراكات كلما أعيد بث العمل، دون أن يستفيد صناعه بمليم واحد.
وهذا ايضا ما يعمل به في نقابة الممثلين الأمريكية SAG-AFTRA، حيث يودع المبلغ في حساب مخصص يسمى Residuals Account لحين تحصيله من المنصات الرقمية والقنوات إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يعارض بعض المنتجين هذا الحق؟
المنتج ليس عدوا.. لكنه ليس المالك الوحيد أيضا
لست هنا في معرض الخصومة مع أي منتج، فالمنتجون شركاء أصيلون في هذه الصناعة، وهم من يخوضون مغامرة التمويل ويحتملون مخاطر الخسارة. كل الاحترام والتقدير لهم حيث تمر صناعة الدراما بمرحلة صعبة اقتصاديا، وكثير من الفنانين اليوم يحصلون على أجور مجزية. لكن الأمر مع ذلك يستدعي حوار جاد بين الأطراف قبل اتخاذ أي قرار، مع الوضع في الاعتبار بأن مطالب الفنانين والمؤلفين من حيث المبدأ مطالب مشروعة".
لكن مع كل هذا الاحترام، هناك حقيقة يجب أن تقال بصوت مرتفع: هذه الأفلام والمسلسلات ما كانت لتوجد لولا إبداع صناعها. المنتج، أي منتج، لا يبيع للقنوات صورة معدات التصوير ولا فواتير مواقع التصوير، بل يبيع الحلم الذي صنعه المبدعون؛ يبيع صوت فاتن حمامة، ودموع سعاد حسني، وضحكة اسماعيل ياسين، وحكمة نجيب محفوظ في كلمات السيناريست، وعين المخرج التي التقطت الجمال. حين تعرض القناة الفضائية فيلم "الأرض" أو "الحرام" أو "دعاء الكروان" للمرة الألف، فإن الذي يجعل المشاهد يجلس أمام الشاشة ليس اسم شركة الإنتاج، بل وجوه الفنانين واسماء المؤلفين والمخرجين.
نسبة ضئيلة.. لكرامة كبيرة
النسبة التي يطالب بها المبدعون من حق الأداء العلني ضئيلة لا تكاد تذكر مقارنة بحجم الأرباح التي تجنيها جهات العرض من إعادة البث. وهذه النسبة ليست منحة ولا صدقة، بل هي معادلة اقتصادية بسيطة: أنت تربح من عملي، فمن حقي أن أربح جزءا يسيرا مما تربحه. هذه المعادلة تحكم صناعة السينما في هوليوود ولندن وباريس وحتى في المغرب الشقيق، الذي طبق هذا القانون قبلنا بسنوات.
منح المبدع حقه ليس رفاهية ولا صدقة وإنما هو شئ عادل ومنصف. وهو حق لا يسقط بالتقادم
هنا يكمن جوهر القضية. المنتج يبيع العمل مرة، ثم يعيد بيعه، ثم تباع حقوقه للمنصات الرقمية، ثم يعرض على القنوات الفضائية لعقود متتالية. حين يأتي حفيد المنتج ليرث شركة جده، يجد الأعمال ما زالت تدر ذهبا. فلماذا يرث حفيد المنتج ثمرة عمل الفنان، بينما يرث حفيد الفنان النسيان والفاقة؟
هذه ليست معادلة عادلة بأي منطق قانوني أو إنساني. حين ظل فيلم "سكر هانم" يعرض عشرات المرات، قال الفنان الراحل عمر الحريري ساخرا: "لو كنت تقاضيت جنيها واحدا عن كل مرة عرض فيها الفيلم لأصبحت مليونيرا". هذه العبارة، بمرارتها اللاذعة، تلخص مأساة أجيال من المبدعين الذين أضاءوا لنا الحياة ثم رحلوا في الظل.
أقول للمنتجين الأعزاء، شركاء الفنانين والمبدعين في هذه المسيرة الطويلة: هذا القانون ليس خصما عليكم، بل هو استثمار في المستقبل. حين يشعر المبدع بأن الصناعة تحفظ كرامته حتى بعد أن يبتعد عن الأضواء، سيبدع أكثر ويعطي أكثر ويرفع رصيدكم أنتم أيضا. الفن الذي كسبكم في يوم من الايام يستحق أن تكسبوه أنتم أيضا، لكن ليس على حساب من صنعوه.
فلنتحاور. فلنجلس معا؛ المنتجون والفنانون و المؤلفون والمخرجون والملحنون وممثلو النقابات وغرفة صناعة السينما وخبراء القانون، ولنصغ معا قانونا مصريا يليق بريادة مصر الفنية، ويحفظ حقوق كل الأطراف، ويعيد لكرامة المبدع بريقها.
فلولا الإبداع ما كانت هناك صناعة، ولولا المبدعون ما عرفت الشاشات العربية طريقها الى بيوت الملايين، ولولا هؤلاء الذين أعطوا أعمارهم للفن ما كتب لهذا الفن أن يعيش ويبقى.
حق الأداء العلني ليس مجرد قانون.. إنه اعتذار متأخر لكل مبدع مات فقيرا بعد أن أضاء حياتنا.