أثار المقترح الذي تقدمت به النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، بشأن تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط العامة، بين من اعتبره انتهاكًا لحرمة الجسد بعد الوفاة، ومن رآه خطوة إنسانية ضرورية لإنقاذ أرواح آلاف المرضى، خاصة ضحايا الحروق، في ظل نقص حاد في الجلد المتاح للعلاج.
ومع تصاعد الهجوم والانتقادات، طرحت "اليوم السابع" مجموعة من التساؤلات على النائبة أميرة صابر، لكشف تفاصيل المقترح، وأبعاده الطبية والإنسانية والقانونية، والرد على الجدل المثار، وتوضيح موقف الدين والقانون من التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، فكان هذا الحوار.
في البداية، ما هو المقترح الذي تقدمتِ به إلى مجلس الشيوخ بشأن بنك الأنسجة البشرية؟
تقدمتُ بطلب اقتراح برغبة موجه إلى وزير الصحة والسكان بشأن تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية، مع تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، بهدف إنشاء منظومة وطنية متكاملة للتبرع بالأنسجة ومعالجتها، بما يسهم في إنقاذ حياة آلاف المرضى، خاصة ضحايا الحروق، بدلًا من الاعتماد على الاستيراد بتكلفة باهظة.
وما الدوافع الرئيسية وراء تقديم هذا المقترح في هذا التوقيت؟
الدافع الأساسي هو الواقع الصحي الصعب لمرضى الحروق في مصر، حيث تمثل الحروق أزمة صحية عامة خطيرة، وحوالي نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم من الأطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضررًا، مع ارتفاع معدلات الوفيات مقارنة بالدول المتقدمة، ونقص شديد في الجلد المتاح للعلاج، ما يعرّض حياة المرضى للخطر.
أشرتِ في المذكرة الإيضاحية إلى تجربة بعض المؤسسات، ما أهمية هذه التجربة؟
بالفعل، أشرتُ إلى قيام مؤسسة أهل مصر لعلاج الحروق، بقيادة هبة السويدي، باستقبال أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين خلال شهر ديسمبر الجاري، وهي تجربة مهمة تؤكد إمكانية التطبيق العملي لفكرة بنوك الأنسجة في مصر، وضرورة الاستفادة من هذه الخبرات الوطنية بدلًا من الاستيراد الذي تصل تكلفته إلى نحو مليون جنيه للحالة الواحدة.
هل يتعارض المقترح مع القوانين المنظمة لزراعة الأعضاء في مصر؟
على الإطلاق لا، فقانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته يجيز التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في التطبيق العملي، حيث توجد معوقات إدارية وثقافية تعطل الاستفادة من هذا النص القانوني، وهو ما يسعى المقترح إلى معالجته.
البعض يرى أن إنشاء بنك للأنسجة البشرية يمثل انتهاكًا لحرمة الجسد بعد الوفاة "حرمة الميت".. كيف تردين على ذلك؟
أشعر بالأسى لانسياق البعض وراء "التريند" دون الاطلاع أو قراءة أصل المقترح، فالمقترح لا يتعارض إطلاقًا مع الدين، بل يقوم على التبرع الطوعي الكامل وبعد تحقق الوفاة الشرعية، وبإشراف طبي كامل، مع الحفاظ التام على كرامة الإنسان.
وما موقف المؤسسات الدينية من التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة؟
الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أجازا التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة، وفق ضوابط واضحة، منها تحقق الموت موتًا شرعيًا، وأن يكون المتبرع قد أوصى بذلك في حياته وهو بكامل قواه العقلية وبدون أي إكراه، وألا يؤدي النقل إلى امتهان كرامة الإنسان، وألا يتم نقل عدد كبير من الأعضاء بما يخالف التكريم الإلهي للإنسان.
هل هناك تجارب دولية يمكن الاستفادة منها في هذا الملف؟
نعم، هناك دول نامية وعربية نجحت في إنشاء بنوك أنسجة منخفضة التكلفة باستخدام تقنيات حفظ بسيطة، وحققت نتائج جيدة، وهو ما يؤكد أن الأمر قابل للتنفيذ في مصر بإمكانات محلية، إذا توافرت الإرادة والتخطيط العلمي السليم.
كيف ترين آليات التنفيذ المقترحة لإنشاء بنك وطني للأنسجة؟
دعوتُ الحكومة إلى البدء بمشروع تجريبي لإنشاء بنك أنسجة وطني في مستشفى متخصص، مثل مستشفى الشيخ زايد للحروق، أو بالتعاون مع مستشفى أهل مصر، مع الاستفادة من خبرات السيدة هبة السويدي والبروفيسور نعيم مؤمن في تصميم وتنفيذ البنك، إلى جانب التعاون مع الجامعات والمراكز البحثية لتطوير بروتوكولات محلية متوافقة مع المعايير الدولية.
هل تعتقدين أن هذا المشروع سيوفر أعباء مالية على الدولة؟
بالتأكيد، تأسيس منظومة وطنية للتبرع بالأنسجة سيوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنويًا من تكاليف الاستيراد، ويضمن حق كل طفل مصري في الحصول على العلاج المنقذ للحياة بغض النظر عن القدرة المالية لأسرته، ويعزز قدرات مصر في مجال طبي متقدم، وقد ذكرت في المذكرة الإيضاحية على ضرورة نشر شروط التبرع وآلياته بشكل واضح، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، مع إطلاق حملات توعية بالتعاون مع المؤسسات الدينية.
بعد الهجوم الذي تعرض له المقترح، هل فكرتِي في التراجع عنه؟
على العكس تمامًا، أنا متمسكة بالمقترح، بل إنني كتبت في وصيتي التبرع بأعضاء جسدي، وقد كتبت هذه الوصية منذ عام 2008، وسأقوم بتوثيقها، لأنني مؤمنة بأن التبرع بالأعضاء بعد الوفاة عمل إنساني عظيم.
كيف تلخصين رسالتك للرأي العام بشأن هذا الملف؟
أؤكد أن إنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية لا يمس حرمة الميت، بل يعبر عن أسمى معاني الإنسانية، فالتبرع يتم بإرادة الإنسان الكاملة وتحت إشراف طبي، وهو تجسيد لقوله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".