تتنوع أشكال الاحتفال بالأعياد من منطقة إلى أخرى تبعا للعادات والتقاليد المتوارثة، وفي مدينة القصير، أقدم مدن محافظة البحر الأحمر، يحتفل الأهالي بعيد النصف من شعبان بطقوس خاصة، تتصدرها الجمال التي تحمل على ظهورها الهوادج المعروفة محليًا باسم المحامل، ويحمل كل محمل اسم أحد المشايخ الذين تضم المدينة أضرحتهم، والبالغ عددهم عشرات المشايخ.
مسيرة الجمال في شوارع القصير القديمة
وتجوب الجمال المحملة بالهوادج الحارات والشوارع القديمة بالمدينة، يتقدمها المزمار البلدي والطبل، وتتوقف أمام المنازل لتقديم التهنئة بعيد النصف وهى إحياء لذكرى مرور كسوة الكعبة من بلادهم فى اتحاه بلاد الحرمين قديما، في مشهد احتفالي يشارك فيه الأطفال والرجال، ويتولى تنظيم تلك المسيرة نقباء المشايخ من مختلف الأضرحة المنتشرة بمدينة القصير.
ارتباط الاحتفالات بالتراث والتاريخ
ومن جانبه، قال محمد الو الوفا مدير الوعى الأثرى بآثار البحر الأحمر إن هذه الاحتفالات تعد جزءًا أصيلًا من التراث المحلي، مشيرًا إلى أن أهالي القصير يحيون ذكرى مرور كسوة الكعبة من بلادهم والتى كانت تتجه لبلاد الحرمين عبر ميناء القصير القديم.
وأضاف مدير الوعى الآثرى أن مسيرة المحامل تنظم سنويًا خلال عيد النصف من شعبان حيث تنطلق الجمال من أمام أضرحة المشايخ أو من منازل نقبائهم، وهي تحمل توابيت رمزية للمشايخ المشاركين في الاحتفال، وتصاحبها فرق المزمار البلدي التي تطوف على منازل الأهالي لتهنئتهم بعيد النصف.
كسوة الكعبة وبدايات الطقوس
وأوضح ابو الوقا أن جذور هذه الطقوس تعود إلى عصور قديمة، حيث ارتبطت الجمال والهوادج بدور مدينة القصير التاريخي في نقل كسوة الكعبة المشرفة، التي كانت ترسل قديما عبر ميناء القصير القديم إلى الحرم المكي، محمولة داخل هوادج "محامل" على ظهور الجمال.
وأشار إلى أن الكسوة كانت تنتقل من وادي النيل محملة على الجمال، داخل الهوادج التي أطلق عليها أهالي المدينة اسم المحامل، لافتًا إلى أن أول من رسخ الاحتفال بعيد النصف من شعبان بهذه الطريقة هو الشيخ الراحل صديق أبو ريالات، الذي ظل مسؤولًا عن تنظيم تلك الاحتفالات حتى وفاته.
مدينة القصير شاهدة على الحضارات
وتعد مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر من أقدم مدن المنطقة، وشاهدًا على تعاقب الحضارات المختلفة منذ العصر الفرعوني مرورًا بالإسلامي وغيره، وتضم عددًا كبيرًا من الأضرحة والمقامات لأولياء الله الصالحين، الذين اتخذوا من المدينة مقرًا لهم لكونها طريقًا رئيسيًا لحجاج بيت الله الحرام قديمًا.
أضرحة من مختلف بقاع العالم
وتضم القصير ما يقرب من 20 ضريحًا ومقامًا، يعود معظمها لمشايخ قدموا من خارج مصر، من بينهم بحارة وتجار وحجاج، حيث تضم بعض الأضرحة رفات أصحابها، فيما يمثل البعض الآخر مقامات تذكارية.
أشهر مقامات المشايخ بالمدينة
كما تضم المدينة أضرحة الشيخ عبدالله الهندي، والشيخ أحمد السيسي، والشيخ سليم، والشيخ الفاسي بحارة فوق، وضريح الشيخ أبو ريالات بمواجهة شارع أحمد عرابي، والشيخ فراج بجوار مخبز سعد جيلاني، إلى جانب ضريح الشيخ التكروري القادم من تمبكتو بمالي، والشيخ سلمان خلف الشيخ عبدالغفار، والشيخ الزيلعي من مدينة زيلع بالصومال، والشيخ الطرمبي شمال قسم الشرطة القديم.
ويضم ضريح الشيخ عبدالغفار اليمني رفات أحد محافظي القصير قديمًا حسن أغا التركي الجنسية، كما تنسب أضرحة أخرى إلى بلدان مختلفة مثل الهند والمغرب ومالي والصومال، في دلالة على مكانة القصير كمحطة تاريخية للحجاج والتجار.
طقوس دينية لا تتكرر
ولا تزال هذه الأضرحة تحتفظ بطقوس دينية مميزة لا تتكرر في أى مدينة أخرى، حيث يحرص أبناء القصير على إحياء المناسبات الدينية الكبرى، منذ العصر الإسلامي وحتى اليوم، بطريقتهم الخاصة، في شهر رمضان، وعيدي الفطر والأضحى، وليلة النصف من شعبان، والمولد النبوي الشريف.

ذكرى مرور كسوة الكعبة من القصير

جمال تحمل محامل الأولياء بالمدينة

احتفالات أهالي القصير بما يسمونه عيد النصر