<< كلاب الاحتلال انهشت ذراع شقيقي والبيت تحول لجحيم
<< 7 أيام محاصرة تحت القصف.. والاعتقال لم ينته بعد خروجنا من البيت
<< عندما أنزلت رأسي للركوع ضربني جنود الاحتلال ومنعوني من صلاة الظهر
<< الجوع والبرد والقسوة كانت روتين حياتنا في المعتقل.. وجنود الاحتلال لم يرحمونا
<< السجانون كانوا يرشونا بالغاز إن وقفنا داخل الزنزانة
<< كنا نجلس على الركب 24 ساعة وما زالت أحلم بتعذيبي بعد خروجي من السجن
<< ستة أشهر مكبل الأيدي ونوم على البطن وطعام قيد الحياة فقط داخل سجن عوفر
<< خرجت لأجد بيتي مهدما وغزة مدمرة والعيش في خيمة على رصيف شارعن
قبل أن تتحول الأسئلة إلى اعترافات، وقبل أن يصبح الحوار شهادة مكتوبة على جدران الذاكرة، نقف أمام حكاية إنسان خرج من قلب العتمة ليحكي ما لا يحتمل، هنا لا نتحدث عن أسير فلسطيني عابر، بل عن رحلة وجع كاملة اسمها سيف الدين بهار، رجل دخل سجون الاحتلال بجسد حي، وخرج منها مثقلا بأعمار إضافية من الألم، وبقلب ما زال ينبض داخل الزنازين.
قصة سيف الدين تبدأ من حي الشجاعية في غزة، حيث لم يكن النزوح خيارا بل قدرا متكررا، هروبا من القصف، ومن موت يلاحق البيوت قبل الشوارع، وبين بيت يقصف وملجأ لا يكتمل، كانت العائلة تبحث عن لحظة أمان، قبل أن يتحول المنزل نفسه إلى فخ، تحاصره الدبابات لأيام، وتقتحمه الطائرات والكلاب والجنود، في مشهد لا يشبه سوى أفلام الرعب، لكنه كان واقعا حيا لطفل وأم وأسير لم يعتقل بعد.
في لحظة واحدة، تكسرت كل المعاني، الرايات البيضاء لم تحم المدنيين، والأيدي المرفوعة لم تمنع الانقضاض، والبيت لم يعد بيتا، كان المشهد الأشد قسوة هو ذاك الذي لا يمكن للذاكرة أن تغفره، كلب عسكري ينهش ذراع شقيقه محمد، من ذوي الاحتياجات الخاصة، أمام أعين العائلة العاجزة، محمد، الذي لم يعرف الأذى يوما، واجه وحشية لا تفهم الرحمة، وواجه الألم ببراءة موجعة، قبل أن يستشهد لاحقا، لتتحول الجريمة من لحظة إلى فاجعة أبدية.
من هذا البيت المكسور، تبدأ رحلة الاعتقال، كيس أسود، قيود مشدودة، ركوع لساعات، ضرب ومنع من الصلاة، ثم انتقال بين منازل محتجزة وسجون أطلق عليها أسماء الجحيم، في تلك الأماكن، لم يكن سيف الدين مجرد معتقل، بل درعا بشريا يدفع إلى واجهة الخطر، وجسدا يستخدم لإرسال الرسائل، وروحا تكسر يوما بعد يوم بالتجويع، والبرد، والغاز، والكلاب، والعزل، والإهانات التي تستهدف الإنسان قبل الجسد، الأسير المحرر خرج من الزنزانة، لكن الزنزانة لم تخرج منه، ترك خلفه أبواب الحديد، غير أن القيود ما زالت عالقة في معصمي الذاكرة، تفيق معه في النوم، وتطارده في اليقظة، حكاية اعتقاله ليست فصلا منفصلا عن حرب غزة، بل مرآة مكثفة لها، تبدأ بالنزوح المتكرر بحثا عن الأمان، وتنتهي باعتقال تحت القصف، في بيت محاصر بالدبابات، تحوم فوقه طائرات الموت، وتنهشه الكلاب قبل أن تطاله الأيدي.

سيف الدين بهار مع أبنائه بعد خروجه من المعتقل
في هذا الحوار الإنساني القاسي، لا نتوقف أمام أسئلة وأجوبة بقدر ما نقف أمام شهادة حية كتبت بالدم والوجع، يرويها سيف الدين بهار، الذي خرج من سجون الاحتلال بجسد أنهكه التعذيب وروح ما زالت معلقة بين جدران الزنازين، فمن حي الشجاعية، حيث البيوت تقصف والذكريات تمحى، تبدأ رحلة المعاناة بالاعتقال القسري وسط النار والحصار، مرورا بأيام طويلة من الرعب داخل المنازل المحاصرة، وانتهاء بسجون قمعية، داخلها عاش أشكالا متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، من تكبيل دائم، وحرمان من النوم والطعام، وضرب وإهانة، ولا تتوقف المأساة عند حدود الأسر، بل تمتد إلى الفقد الشخصي العميق، حيث يستحضر واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في حياته.
هذا الحوار ليس مجرد سرد لتجربة اعتقال، بل وثيقة اتهام مفتوحة، ورسالة إلى العالم عن واقع الأسرى الفلسطينيين، ومعاناة إنسان خرج من السجن ليجد وطنه مدمرا، وبيته ركاما، وأسرته نازحة، وحياته معلقة داخل خيمة على رصيف شارع، شهادة تختزل وجع غزة كله، وتضع القارئ أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها، أن ما يحدث ليس صراعا عابرا، بل مأساة إنسانية مستمرة، أبطالها بشر يدفعون أعمارهم ثمنا للحرية.
إلى نص الحوار ..
في البداية .. متى تم اعتقالك؟
أنا سيف الدين صلاح بهار عمرى 40 عاما، من سكان غزة حى الشجاعية، حيث تم اعتقالى من قبل قوات الاحتلال بتاريخ 28 يونيو 2024، بعد نزوح من مكان إلى مكان لكي نكون نحن والأهل بأمان.
كيف كان حالك وأسرتك قبل الاعتقال؟
مع بداية الحرب نزحنا عدة مرات مع الأسرة والأشقاء للهروب من قصف الاحتلال المتواصل للشجاعية، وبعد ذلك عدنا إلى الحى وسكنا البيت وبعد عدة شهور دخل جيش الاحتلال بكثافة نيران وقذائف منطقة شارع النزاز، حيث يوجد بيتى.
كيف تم اعتقالك؟
في يوم اقتحام الاحتلال لشارع النزار ،كنت قد انتهيت من تناول وجبة الفطار، ورأيت الناس تهرب وبعضهم يستشهد، وسقوط القذائف على المنازل ولكن لم استطع التحرك أنا وأمى وأشقائي وأهلى فى البيت، وأصبحت الدبابات فى الشارع تحاصرنا فى البيت 7 أيام ، ثم بعدها حاصر الجيش الإسرائيلي البيت ودخلت طائرة الكواد كابتر المنزل، وسمعنا صوت الجنود في الطابق السفلي للمنزل، شعرنا حينها بالرهبة والخوف وكان الدم جف في عروقنا.
ماذا فعلتم حينها؟
أعطينا النساء والأطفال رايات بيضاء صنعناها من الشباحات والشابات البيضاء ونادينا على القوات بأننا مدنيين، وفجأة دخلت كلابهم التي تحمل الكاميرات وكانت زوجتي وأختي في الواجهة رافعين أيديهم، فقفز كلب جيش الاحتلال على زوجتي فأوقعها أرضا على أكياس الطحين وبحضنها ابني محمد الذي أخذت تحميه بيد وباليد الأخرى تدفع الكلب الذي عض بأنيابه يدها لتحمي وجهها وبمشيئة الله تركها وهجم على أخي محمد، وهو أحد ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي كان جالس علي الكنبة مستنكرا الذي يحصل فأخذ بنهش ذراعه.
كيف كان شعورك عندما وجد الكلب تنهش ذراع شقيقك؟
منظر محمد لا يمكن أن ننساه أمام أعيننا جميعا صغار وكبار، محمد لم يتعرض للأذية بحياته على الإطلاق، لذلك استنكر عض الكلب له فأخذ يمسح بيده الأخرى رأس الكلب ويقول له وهو يتألم "خلاص يا حبيبي خلاص"، ولكن الكلب عندما رأى الدم ينزف من محمد استوحش وأخذ ينهش ذراعه وقطع كل الأوتار، وكنا عاجزين عن التحرك بسبب الكلاب التي تحوم بالبيت وكذلك الكواد كابتر.

صورة حديثة لسيف بهار بالقرب من حى الشجاعية المحتل حيث يوجد منزله المدمر المحتل
ماذا حدث عدما نهش الكلب ذراع أخيك؟
بعدها دخل الجنود الإسرائيليين البيت مع إطلاق كثيف للرصاص وقنابل أرعبتنا، وأخذوني وأخي آدم وجعلوا النساء تركع وصوبوا السلاح نحوهم وهددوهم بعدم سماع صوتهم وإلا سيقتلوهم.
ماذا فعل بك جنود الاحتلال بعدما أخذوك من المنزل؟
قيدوني وألبسوني كيس أسود برأسي وقيدوا يداي للخلف وظللت راكع على ركبي وأطراف أصابعي 6 ساعات كاملة، كلما حاولت أن أريح أصابع قدمي قاموا بضربي وركلي بأقدامهم، وأنا مقيد كانت فاتتني صلاة الظهر حاولت أن أصلي، وعندما أنزلت رأسي للركوع ضربوني ومنعوني من الصلاة، عند المغرب سمعتهم يخرجون عائلتي من المنزل وبقيت أنا والجنود في المنزل، ومعنا أخي محمد الذي كنت لا أعلم كيف حاله وما الذي حدث له، وبعد ساعات قادوني إلى منزل آخر.
هل كان معك معتقلين آخرين في المنزل الثاني بعدما أخذك قوات الاحتلال إليه؟
سمعت أصوات شباب هناك محتجزين جمعوهم من حارتنا.
كم يوم قضيتهم في هذا المنزل مع المعتقلين الآخرين؟
ظللنا ثلاث أيام، استخدمنا جيش الاحتلال دروعا بشرية خلال الحرب، ثم بعدها نقلونا إلى سجن سدي تيمان وأثناء نقلنا حتى وصولنا له كان القوات يضربونا ويهينوننا بأكواع البنادق، ثم مكثنا في هذا السجن والذي يسمى "سجن العذاب"، 20 يوما .
ما هي أشكال التعذيب داخل السجن الإسرائيلي؟
كنا مكبلين الأيدي مغمين الأعين جالسين علي الركب 24 ساعة بدون نوم أو حركة ، وكان الاحتلال يطعمنا فتات الطعام فقط لنبقي على قيد الحياة، لذلك كنت أتمنى كل يوم الموت من هول العذاب وشدته.

شقيقه الشهيد محمد بهار المصاب بمتلازمة دارون في المنزل قبل الحرب
هل نقلت إلى سجن أخر خلال اعتقالك بعد سدي تيمان؟
نعم .. نقلنا الاحتلال إلى سجن عوفر العسكري في القسم "أ" المعروف لدى الأسرى بالغرف الزرق، وظلت مع معتقلين آخرين هناك ستة شهور مكبل الأيدي، أدخل الحمام وأتناول الطعام وأنام وأنا مكبل الأيدي، وهو شيء لا يعقل ولا في الخيال، وعند دخول الكباتن يقول جنود الاحتلال لنا الكل ينام على بطنه، ومن يجدوه واقف يرشونه بالغاز، وأيضا كانت هناك فرقة متخصصة للقمع والضرب يأتون لنا عدة مرات باليوم.
هل ظللت في قسم "أ" طوال فترة اعتقالك في سجن عوفر؟
لا.. بعد ستة شهور انتقلت إلى قسم الجحيم، وفك جنود الاحتلال الكلبشات من يدي في الزنزانة، لكن الجوع والتعذيب لا زال مستمر، كان الجو بارد للغاية والثلوج تتساقط، وكانت القوات الإسرائيلية تجبر المعتقلين على الاستحمام بالماء البارد وحرموننا من الأغطية، وفتحوا الشبابيك علينا فكنا نتجمد من البرد، وبعد فترة نقلوني إلى قسم جهنم، ومكثت فيه شهرا ولم يتغير العذاب، بل ازداد سوءا، حيث جربوا معنا كل أنواع العذاب من تخويف بالكلاب والكهرباء والضرب والعزل الانفرادي.
كيف كان تأثير هذا التعذيب عليك؟
كانت لحظات قاسية تركت في نفسي وجسدي أثر لا أستطيع نسيانه أو تخطيه لازلت أحلم بأني مسجون وأتعذب.
هل زاد التعذيب للأسرى خلال الحرب عن ما كان قبل 7 أكتوبر 2023؟
الاحتلال اعتقلنى خلال الحرب، لكن نعم زاد التعذيب بعد 7 أكتوبر، حيث التقيت بأسرى كانوا معتقلين قبل طوفان الأقصى، وأكدوا لي أن المعاناة داخل السجون زادت بعد هذا التاريخ، وكان هناك تعمد بتشديد أنواع التعذيب عليهم.
هل كان هناك رسائل يسعى السجانين الإسرائيليين إرسالها لكم؟
نعم.. كان السجانين الإسرائيليين دائما يخبروننا بأنهم حرقوا غزة وأنهم قتلوا عائلاتنا، وكان هذا يمثل تعذيب نفسي وجسدي لنا.
هل هناك أسرى استشهدوا أمامك خلال الاعتقال؟
استشهد داخل قسمي أسير اسمه مصعب هنية من شدة التعذيب الذي مارسه الاحتلال عليه وكذلك المرض.
هل فقد أحد من عائلتك خلال العدوان الإسرائيلي على غزة؟
نعم.. فقد أخي محمد وعمي والد زوجتي وأخيها والكثير من أبناء العائلة رحمهم الله وأسكنهم الفردوس الأعلى.
هل كان مسموح لكم بالزيارات في السجن؟
لم يكن مسموح الزيارات لنا خصوصا أسري غزة.
كيف كنتم تتابعون ما يحدث في غزة خلال اعتقالكم؟
كنا نتابع ما يحدث في القطاع عن طريق أسرى جدد أو عن طريق المحاميين الذين كانوا يخبروننا عن المجاعة التي حلت على أهل غزة والدمار الهائل والترحيل والنزوح المتكرر.

سيف بهار من داخل خيمة الايواء
ما هي أصعب لحظة عشتها داخل السجن الإسرائيلي؟
أصعب لحظة عندما أصابتني وعكة في سدي تيمان، حيث شعرت بألم شديد في الكلى صرت أصرخ وأتلوى على الأرض، وظننت أنها آخر لحظات لي، وكنت أرتعب عندما تدخل الفرقة وتقول للمساجين كلوا على بطنه، ثم ينادون في كل غرفة على أسماء أسرى لا نعلم ما سيكون مصيرهم ونخاف أن يأتينا الدور وينادوا أسمائنا.
كيف كانت الأيام الأخيرة في الاعتقال قبل إخلاء سبيلك؟
قبل إخلاء سبيلي، أصبت بالجرب يسمى "الكابيس"، ثم وضعني الاحتلال في العزل الانفرادي لمدة 24 ساعة لا أعلم ما مصيري، حيث كنت خائفا من المجهول الذي ينتظرني، ثم اقتادوني إلى الأتوبيس الخاص بنقل الأسرى وأنا مغمى العينين ومعي أسرى آخرين ، وبعد ساعات وصلوا إلى نقطة معينة ووقف الأتوبيس، وسمعت صوت فك الكلبشات والجنود الإسرائيليين يقولون للشباب "أنتم ستعودون إلى غزة".
ماذا شعرت حينها عندما قال لك جنود الاحتلال هذه الجملة؟
شعرت بخفقان بالقلب من شدة الفرحة وبأن عمر جديد كتب لي وكابوس السجن انتهي.
من أول من استقبلك بعد خروجك من السجن؟
الاحتلال أولا سلمنا للصليب الأحمر وبعدها استقبلني أخي الكبير جبريل بهار.
كيف وجد غزة بعد خروجك من السجن؟
وجدت غزة مدمرة وأسرتني نازحة بدون ملابس أو أغطية، فلم أكن أتوقع أو يخطر ببالي أن الاحتلال مسح القطاع بالكامل .
دخلت السجن وأنت لديك منزل ومال وخرجت وبيتك مهدم وليس لديك مال .. ما هو شعورك؟
لم يعد لي بيت، دخل المعتقل وأنا أعيش مع أسرتى في منزل وخرجت لم يعد لي مأوى، فقد مسحت غزة ومعها ذكرياتنا وأحلامنا وتعب السنين كله ذهب، لكننا رغم ذلك راضون بقضاء الله وقدره.
أين تعيش الآن بعدما فقد منزلك؟
أعيش وأسرتي ألم و جع آخر في خيمة على رصيف شارعنا لعدم توفر أماكن لنصب الخيمة .
ما هي رسالتك للعالم؟
نتمنى من العالم وقفة جادة معنا ودعمنا بإدخال كرفانات تحمينا من الغرق بالأمطار ومن البرد والسيول والتعجيل بإعمار غزة ونعود إلى الشجاعية المحتلة بإذن الله قريبا.