كانت إسراء الهسي طفلة صغيرة في غزة، تحمل في قلبها أحلاما أكبر من عمرها، قبل أيام، كانت داخل خيمتها تلعب بقطع الطين الملونة، تصنع بأصابعها الصغيرة أشكالا وألوانا تشبه عالم الأطفال الذي لم تعرف منه الحرب سوى القليل.

إسراء الهسي
استشهاد إسراء
كانت إسراء تستعد للمدرسة، وكانت متفوقة تحب التعلم وتحلم بأن تواصل طريقها مثل أي طفلة في عمرها، وبينما كانت تنشغل بلعبتها، وتستعد ليوم جديد من الدراسة، كانت الحرب تقترب من خيمتها على نحو لم تكن تعرفه.
استشهدت إسراء داخل خيمتها، وهي الطفلة التي كان يفترض أن تحمل حقيبتها إلى المدرسة، لا أن تُحمل بعيدا عن أحلامها الصغيرة، أما والدتها، فأصيبت، لتبقى أمام ألم مزدوج، إصابة جسدها، وفقد طفلتها التي كانت تملأ حياتها حضورا وحلما.

الطفلة إسراء الهسى
رحلت إسراء، لكن تفاصيلها الصغيرة بقيت، ألعاب الطين الملونة، الاستعداد للمدرسة، تفوقها، وأحلام طفلة لم تمنحها الحرب الوقت الكافي لتكبر، وفي قصة إسراء، لا يظهر الفقد في رقم أو اسم فقط، بل في طفلة كانت تلعب وتستعد للمدرسة، ثم انقطعت فجأة تفاصيل يومها العادي، وبقيت أسرتها أمام غياب لا يشبه أي غياب آخر.
تفاصيل الاستهداف
ويقول شقيق إسراء الهسي إن يوم الثلاثاء، الأول من سبتمبر، كان اليوم الذي تغيرت فيه حياة أسرته إلى الأبد، مشيرا إلى أن شقيقته كانت طفلة شديدة التقوى والجمال والحنان.
ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع: "إسراء كانت طفلة تقية جدًا وجميلة وحنونة، وأنا لا أقول ذلك لأنها أختي، وإنما هذه شهادة كل من عرفها"، متابعا أن شقيقته كانت تحافظ على صلاتها، وكانت حريصة بصورة خاصة على صلاة الضحى، وأدت الصلاة في ذلك اليوم، ثم جلست إلى جوار والدها تلعب بالطين.

إحدى رسومات إسراء الهسي
ويقول إن إسراء كانت تحب الرسم والطين والسباحة، وإنها كانت قد ألبست دميتها في ذلك اليوم ثوبًا من القماش للمرة الأولى بدلا من الطين، مضيفا: "بعدما رحلت، بدا لنا الأمر وكأنها كانت تكفّن دميتها".
ويوضح أن إسراء كانت تجلس إلى جوار والدها وهي خائفة، بسبب قرب أصوات الرصاص والانفجارات من مكان إقامتهم في منطقة الجعفراوي شرق دير البلح.
ويضيف أن والده كان قد صنع لإسراء بركة صغيرة للسباحة، لأن البحر كان بعيدا عنهم وكان يخشى عليها من الغرق، مشيرا إلى أنها كانت تحب السباحة، ولذلك كان ذلك اليوم مخصصا لتعبئة البركة بالماء حتى تتمكن من السباحة فيها.

إحدى دميات إسراء الهسي
ويتابع: «قالت أمي لأبي إن الرصاص اليوم قوي للغاية وصوته قريب للغاية، ثم طلبت منه أن يترك تعبئة المياه ويدخل إلى الخيمة"، مضيفا أن والده، رغم الخوف، جلس وصلى صلاة الضحى، وكانت إسراء إلى جواره تلعب بالطين، قبل أن يسمع فجأة صوتها وهي تقول: "آه يا أبي، أُصبت".
ويقول: "قطع أبي صلاته والتفت إلى إسراء، فوجد أن يدها اليمنى قد أصيبت بالرصاص إصابة بالغة، وأصابعها قد ذهبت، كما كانت بطنها كلها مصابة، وكانت حالتها صعبة جدا".

دمية إسراء الهسي
ويوضح أن والده خرج مسرعا محاولا إسعاف ابنته، بينما كان إطلاق النار مستمرا، وإسراء كانت الابنة التي رزق بها والداه بعد انتظار دام سبعة عشر عاما، متابعا: "كانت إسراء غالية للغاية على أبي، وكانت حنونة رغم صغر سنها، وكانت لا تترك فرضا من فروض الصلاة، وخاصة صلاة الضحى".
استشهاد الأم
ويقول إن والده، أثناء خروجه من الخيمة، فوجئ بأن زوجته، والدة إسراء، كانت هي الأخرى مصابة وغارقة في دمائها، مضيفا أن الأب وجد نفسه في موقف بالغ الصعوبة، بين ابنته المصابة وزوجته التي تحتاج إلى الإنقاذ، فيما كان القصف والرصاص قريبين جدا.

رسومات إسراء الهسي
ويضيف أن والده خرج يركض ويستنجد بأي شخص يستطيع إنقاذ إسراء وزوجته، ومروة، شقيقة إسراء الكبرى، وصلت إلى المكان وهي في حالة صدمة، وحملت إسراء بين ذراعيها، قائلا: "كانت تحمل ابنتها التي لم تلدها".
ويوضح أن مروة راحت تركض وتستنجد بالناس لإنقاذ إسراء، لكن الوضع كان شديد الخطورة، ولم يكن أحد قادرا على الاقتراب منها، لأن محاولة إنقاذها كانت تعني تعريض الشخص نفسه لخطر الموت تحت وابل الرصاص.
ويقول إن مروة واصلت الاستغاثة لنحو نصف ساعة، قبل أن تفارق إسراء الحياة بين ذراعي شقيقتها، مضيفا أن الناس، بعد أن هدأ إطلاق النار، تمكنوا من الاتصال بسيارة الإسعاف، لكن إسراء كانت قد فارقت الحياة.

دروس إسراء الهسي
وفي الوقت نفسه، ويتابع شقيق إسراء، كان والده كان يحاول إنقاذ زوجته، التي كانت شبه غائبة عن الوعي وإصابتها حرجة جدا، مضيفا أن والده حملها بمساعدة أبو إسلام وابنه إسلام، وتمكنوا من الوصول بها إلى سيارة الإسعاف، ووالدته سألت قبل أن تفقد وعيها عن طفلتها إسراء، ويتابع: "سألت والدتي عن إسراء قبل أن تنام نومتها الأخيرة، ولم يكن أحد منا يملك قلبا ليخبرها بأنها استشهدت، كانت إسراء روحها ونبض قلبها، لذلك قلنا لها: إسراء بخير".
وأضاف أن والدته نامت وهي مطمئنة إلى أن طفلتها بخير، ثم نُقلت إلى العناية المركزة، حيث أبلغهم الأطباء بأن إصابتها حرجة جدا، وطلبوا منهم الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، متابعا: "ظل لدينا أمل، وطلبنا من الله أن ينجيها، رغم أننا كنا نعرف أن حياتها من دون إسراء ستكون جحيما، لكن الغريق يتعلق بقشة".
ويوضح أن الأسرة تمسكت بالأمل في تلك اللحظات، وانتظرت ما يمكن أن يفعله الأطباء، قبل أن يأخذ الطاقم الطبي أرقام هواتفهم ويطلب منهم المغادرة، مؤكدين أنهم سيبقون على تواصل معهم، قبل أن يبلغوهم يوم الأربعاء 2 سبتمبر بأن أم إسراء توفت.
ويختم شقيق إسراء شهادته بالعودة إلى تفاصيل ذلك اليوم، قائلا إن شقيقته التي كانت قبل ساعات فقط تصلي الضحى وتلعب بالطين وتنتظر أن تمتلئ بركتها الصغيرة بالماء كي تسبح، رحلت تاركة وراءها ألعابها وأحلامها وذكريات أسرتها.