من مقاعد الحكم إلى ساحات الشتات، قطعت قيادات جماعة الإخوان الإرهابية رحلة هبوط سياسي كشفت حجم الفجوة بين شعارات التمكين التي رفعتها لسنوات وواقعها بعد الخروج من السلطة، فبعدما تصورت الجماعة الإرهابية أن وصولها إلى الحكم يمنحها القدرة على إعادة تشكيل الدولة وفق مشروعها، وجدت نفسها أمام تحولات سياسية وشعبية دفعتها إلى الخارج، حيث تتوزع قياداتها بين عواصم مختلفة، وتتصاعد خلافاتها الداخلية، وتتراجع قدرتها على التأثير في المشهد المصري.
وبين محاولات استعادة الحضور السياسي عبر المنصات الإعلامية، والتحركات الخارجية الساعية إلى حشد الدعم، تحولت رحلة قيادات الجماعة الإرهابية إلى سلسلة من الأزمات المتلاحقة، بدأت بفقدان السلطة، وامتدت إلى الانقسام على القيادة والتمويل، وصولا إلى محاولات استدعاء التدخل الخارجي في الشأن المصري، في مشهد يعكس حجم التحول الذي أصاب التنظيم منذ عام 2013.
من وهم التمكين إلى صدمة 30 يونيو
مثل وصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى الحكم في مصر عام 2012 محطة مفصلية في تاريخ التنظيم الإرهابي، بعدما انتقلت قياداته إلى إدارة مؤسسات الدولة، وسط وعود بتحقيق الإصلاح والاستقرار، لكن تجربة الحكم التي استمرت عاما واحدا شهدت تصاعد الخلافات السياسية والاحتقان الشعبي مع سعي الجماعة الإرهابية إلى الهيمنة على مؤسسات الدولة وإقصاء القوى السياسية الأخرى.
وجاءت ثورة 30 يونيو 2013 لتضع حدا لتلك التجربة، بعدما خرجت حشود شعبية واسعة مطالبة بإنهاء حكم محمد مرسي والإطاحة بالجماعة الإرهابية لتدخل الجماعة مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والأمنية، وتبدأ قياداتها رحلة الخروج من المشهد الداخلي إلى ساحات الخارج.
وبدلا من مراجعة التجربة السياسية والبحث عن أسباب فقدان الثقة الشعبية، اتجه خطاب قطاعات من قيادات الجماعة الإرهابية إلى التشكيك في التحولات التي شهدتها البلاد، مع التركيز على المطالبة باستعادة السلطة، وهو ما أبقى التنظيم أسيرا لصراعات الماضي، بعيدا عن التحولات التي طرأت على المشهد السياسي المصري.
الهروب إلى الخارج وبداية مرحلة الشتات
مع خروج الجماعة الإرهابية من الحكم، انتقل عدد من قياداتها وكوادرها إلى الخارج، واتخذت شخصيات محسوبة على التنظيم من عواصم إقليمية وغربية مقرات للتحرك السياسي والإعلامي، في محاولة للحفاظ على حضور الجماعة الإرهابية وإعادة بناء شبكاتها التنظيمية.
وشهدت تلك المرحلة توسعا في استخدام المنصات الإعلامية والقنوات التابعة للتنظيم أو المتعاطفة معه، لتقديم روايته للأحداث المصرية، وتوجيه انتقادات للدولة، والدعوة إلى تحركات سياسية تستهدف الضغط عليها من الخارج.
لكن الانتقال إلى العواصم لم ينه أزمات الجماعة، بل فتح الباب أمام خلافات متزايدة بشأن إدارة التنظيم وتحديد أولوياته، خاصة مع تباين مواقف القيادات الموجودة في الخارج، وتضارب الحسابات المتعلقة بمستقبل الجماعة الإرهابية ومصادر تمويل أنشطتها.
ومع مرور الوقت، تحولت حالة الشتات الجغرافي إلى أزمة تنظيمية أعمق، بعدما باتت القيادات تتحرك من مواقع متباعدة، وتتنافس على شرعية تمثيل الجماعة، في ظل غياب توافق واضح حول القيادة ومسار التحرك السياسي.
صراع إسطنبول ولندن.. معركة القيادة والنفوذ
لم تتوقف أزمات الجماعة الإرهابية عند فقدان السلطة أو الانتقال إلى الخارج، بل امتدت إلى انقسامات داخلية حادة ظهرت في صورة صراع بين جبهات متنافسة على إدارة التنظيم وتحديد توجهاته.
وبرزت الخلافات بين ما يعرف بجبهتي إسطنبول ولندن، وسط تنازع على القيادة والتمثيل التنظيمي، وتباين في المواقف بشأن إدارة الملفات السياسية والإعلامية، لتتحول الخلافات من خلافات داخلية إلى صراع علني على النفوذ والقرار.
وكشفت تلك الانقسامات عن صعوبة الحفاظ على وحدة التنظيم في ظل تباعد القيادات وتضارب مصالحها، خاصة مع تصاعد التساؤلات حول مصادر التمويل وآليات توزيع الموارد، ودور المؤسسات الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية في إدارة الصراع الداخلي.
وبينما حاولت كل جبهة تقديم نفسها باعتبارها الممثل الشرعي للتنظيم، بدت الجماعة عاجزة عن حسم خلافاتها، لتتراجع قدرتها على تقديم خطاب موحد أو طرح رؤية متماسكة بشأن مستقبلها السياسي.
استجداء الدعم الخارجي.. من خطاب السلطة إلى لغة الاستغاثة
مع تراجع الحضور السياسي للجماعة الإرهابية داخل مصر، اتجهت قياداتها الموجودة بالخارج إلى تكثيف تحركاتها في العواصم الغربية، عبر لقاءات ومؤتمرات وفعاليات تستهدف حشد الدعم لقضاياها، وتقديم روايتها للأحداث المصرية أمام المؤسسات والمنظمات الدولية.
واعتمدت تلك التحركات على خطاب يركز على المطالبة بالضغط الخارجي، واستدعاء مواقف دولية داعمة لمطالب الجماعة، في محاولة لتعويض تراجع قدرتها على التأثير داخل البلاد.
وبينما تقدم قيادات التنظيم هذه التحركات باعتبارها دفاعا عن حقوق سياسية إلا أنه بات واضحا للجميع أنها محاولة لنقل الصراع الداخلي إلى الخارج، والبحث عن غطاء دولي يعيد الجماعة إلى دائرة التأثير بعد فقدانها السلطة، وتكشف هذه التحركات عن تحول واضح في أدوات الجماعة الإرهابية، التي انتقلت من إدارة مؤسسات الدولة إلى محاولة التأثير عليها من خارج الحدود، معتمدة على شبكات العلاقات الخارجية والمنصات الإعلامية وحملات الضغط السياسي.
الإعلام والتمويل.. أدوات معركة البقاء
احتلت المنصات الإعلامية التابعة للجماعة أو المتعاطفة معها موقعا محوريا في محاولات الحفاظ على حضور التنظيم بالخارج، إذ تحولت إلى ساحة لترويج روايته السياسية، ومهاجمة خصومه، وإعادة تدوير الخطاب المرتبط باستعادة السلطة، لكن هذا الحضور الإعلامي لم يخل من الأزمات، في ظل الخلافات بين القيادات حول إدارة المنصات وتوجهاتها، إلى جانب التحديات المالية التي تواجه المؤسسات الإعلامية في الخارج.
كما ساهمت الانقسامات التنظيمية في تعميق التنافس على الموارد والنفوذ، لتصبح الملفات المالية والإعلامية جزءا من الصراع الداخلي على مستقبل الجماعة، بدلا من أن تكون أدوات موحدة لتحركها السياسي.
ومع استمرار تلك الأزمات، باتت قيادات التنظيم تواجه معادلة أكثر تعقيدا، تتمثل في محاولة الحفاظ على شبكاتها الخارجية، وتأمين موارد استمرارها، وإقناع أنصارها بجدوى التحركات التي لم تحقق عودة إلى المشهد السياسي المصري.
عزلة سياسية وأزمة مستقبل
تعكس رحلة قيادات جماعة الإخوان الإرهابية من السلطة إلى الشتات تحولا كبيرا في طبيعة حضورها السياسي، بعدما انتقلت من إدارة الحكم إلى العمل من الخارج، وسط انقسامات تنظيمية وصراعات على القيادة والتمويل، ومحاولات متكررة لاستدعاء الدعم الدولي، وبينما تواصل بعض القيادات التمسك بخطاب استعادة السلطة، تظل الجماعة أمام تحديات تتعلق بقدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية، وإعادة بناء حضورها السياسي، والتعامل مع واقع مختلف عن المرحلة التي وصلت فيها إلى الحكم.
وتبقى محطات هذه الرحلة شاهدة على أن الوصول إلى السلطة لا يضمن استمرارها، وأن تجاهل التعددية السياسية والتباعد عن مطالب قطاعات واسعة من المجتمع قد يفتح الباب أمام أزمات يصعب احتواؤها. فمن مقاعد الحكم إلى عواصم الشتات، تواجه قيادات الجماعة الإرهابية اختبارا سياسيا وتنظيميا تتداخل فيه خسارة السلطة مع صراع النفوذ وأزمة الثقة، في مسار لا تزال نهايته مفتوحة على تحولات جديدة.