أصبح بناء وعي الشباب أحد أهم التحديات في ظل التطور الكبير الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت المنصات الرقمية إلى المصدر الأساسي للمعلومات والنقاش بالنسبة لقطاع واسع من الأجيال الجديدة.
ومع هذه المساحة المفتوحة، لم يعد الوصول إلى الأفكار المتطرفة أو الخطابات التحريضية يحتاج إلى الانضمام إلى تنظيم أو التواصل المباشر مع عناصره، إذ يمكن للمحتوى المتطرف أن يصل إلى المستخدم من خلال مقطع فيديو قصير أو منشور أو حساب مجهول.
وتستغل الجماعات المتطرفة هذه البيئة في تقديم أفكارها بصورة تدريجية، تبدأ أحيانًا من التشكيك في بعض المعلومات أو المؤسسات، ثم تنتقل إلى تقديم روايات تقوم على تقسيم المجتمع إلى أطراف متعارضة، وصولًا إلى محاولة إقناع الشباب بأن العنف أو الصدام يمثلان وسيلة للتغيير.
الأسرة والمدرسة في مواجهة التطرف
وتبدأ عملية التحصين من الأسرة، التي تمثل البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل والشاب كيفية التعامل مع الاختلاف، واحترام الآخرين، والتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد والتحريض.
كما تلعب المدرسة دورًا مهمًا في بناء شخصية قادرة على التفكير النقدي، من خلال تعليم الطلاب كيفية البحث عن مصادر المعلومات، وعدم تصديق أي محتوى لمجرد انتشاره أو تداوله على نطاق واسع.
ولا يقل دور المؤسسات الدينية أهمية، خاصة في توضيح المفاهيم الدينية التي قد يتم توظيفها بصورة خاطئة لخدمة أفكار متطرفة، والتأكيد على قيم الاعتدال والتعايش واحترام الإنسان.
الإعلام أمام خطاب التشكيك
ويمثل الإعلام المهني أحد خطوط المواجهة الرئيسية، من خلال تقديم المعلومات بصورة دقيقة، والرد على الشائعات، وشرح الأحداث المعقدة بلغة يستطيع الشباب فهمها، بدلًا من ترك المساحة للمحتوى المجهول أو الحسابات التي تبحث عن التفاعل فقط.
كما أن التعامل مع الشباب باعتبارهم شركاء في النقاش، وليسوا مجرد متلقين، يساعد على بناء علاقة أكثر قوة بينهم وبين مصادر المعلومات الموثوقة.
وتحتاج مواجهة التطرف أيضًا إلى فهم طبيعة المنصات الرقمية نفسها، فالمحتوى الذي يعتمد على الإثارة والصدام ينتشر بصورة أسرع من المحتوى الهادئ في كثير من الأحيان، ولذلك يجب تقديم المعلومة الصحيحة بطريقة واضحة وجذابة دون التضحية بالدقة.
وقال إسلام الكتاتني، الخبير في شؤون الجماعات الارهابية، إن مواجهة الفكر المتطرف تبدأ من بناء الوعي لدى الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الشباب يمثلون الفئة الأكثر استهدافًا من جانب الجماعات التي تبحث عن أدوات جديدة للتأثير والاستقطاب.
وأوضح الكتاتني أن الجماعات المتطرفة لم تعد تعتمد فقط على الوسائل التقليدية في نشر أفكارها، وإنما أصبحت تستخدم مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية لإعادة تقديم خطابها في صور مختلفة تتناسب مع طبيعة الجمهور المستهدف.
وأشار إلى أن الخطاب المتطرف قد يبدأ برسائل تبدو بسيطة، مثل التشكيك أو نشر معلومات غير دقيقة، قبل الانتقال إلى أفكار أكثر حدة، وهو ما يجعل اكتشاف الرسالة في مراحلها الأولى أمرًا مهمًا.
وأضاف أن الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية مطالبة بالعمل بصورة متكاملة من أجل بناء شخصية شابة قادرة على التفكير والتحليل وعدم الانسياق وراء المحتوى المنتشر دون تحقق.
وشدد الخبير في شؤون الجماعات على أهمية تعليم الشباب مهارات التعامل مع المعلومات الرقمية، والتفرقة بين الخبر والرأي، وبين النقد الموضوعي وخطاب التحريض، مؤكدًا أن الوعي يمثل خط الدفاع الأساسي أمام محاولات الاستقطاب الفكري.
ولفت إلى أن مواجهة التطرف لا تكون فقط بملاحقة المحتوى المتطرف، وإنما أيضًا بتقديم محتوى بديل قادر على مخاطبة الشباب بلغتهم، والإجابة عن الأسئلة التي تشغلهم، وفتح مساحات للحوار والنقاش بعيدًا عن خطاب الكراهية والاستقطاب.