في الرابعة عشرة من عمرها، كان يفترض أن تحمل تالا زقوت حقيبتها المدرسية، وتنشغل بواجباتها ودفاترها، وتقضي ساعات طويلة في اللعب والحديث مع صديقاتها، وتعود إلى بيتها لتجد أما تسألها عن يومها، وأبا ينتظر أبناءه عند الباب، لكن الحرب بدلت كل شيء.
استهداف منزل الأسرة
في النصيرات، وسط الركام الذي خلفه القصف، وجدت تالا نفسها أمام مسؤولية أكبر بكثير من عمرها، لم تعد مجرد طفلة بين إخوتها، بل أصبحت، منذ ارتقاء والديها وجدها في قصف منزل الأسرة، تقوم بدور الأب والأم لأربعة من إخوتها وأخواتها.
تالا زقوت وأشقائها
في تلك الليلة، لم يكن منزل عائلة زقوت مجرد جدران سقطت تحت القصف، بل كان حياة كاملة تنهار دفعة واحدة، وأصيب جميع أفراد الأسرة في القصف، ومن بينهم تالا، غير أن إصابتها لم تكن الجرح الوحيد الذي حملته معها، حيث خرجت من تحت الركام وهي تحمل في داخلها صدمة فقدان والديها، ومسؤولية إخوتها، وخوفا لا يشبه مخاوف الأطفال.
الحياة فوق ركام المنزل
منذ ذلك اليوم، صار عليها أن تفكر في أشياء لم يكن ينبغي لطفلة في الرابعة عشرة أن تفكر فيها، ماذا سيأكل إخوتها؟ أين سينامون؟ كيف ستوفر لهم احتياجاتهم؟ ومن سيحميهم إذا مرض أحدهم؟.
تعيش تالا اليوم مع إخوتها على ركام منزلهم المدمر في النصيرات، بلا أب أو أم أو معيل، والمكان الذي كان يوما بيتا دافئا، تحول إلى بقايا جدران وذكريات، وبين الأنقاض، تحاول الطفلة أن تصنع لإخوتها شيئا يشبه الحياة، لكنها لا تستطيع أن تمنحهم كل شيء.
تالا زقوت
تالا تتولى مسئولية أشقائها
حين يناديها إخوتها "ماما"، تتوقف الكلمات في حلقها، هم يرون فيها أمهم، لأنها الوحيدة التي بقيت إلى جانبهم، وتحاول أن تكون لهم كذلك، رغم أنها في الحقيقة لا تزال طفلة تحتاج هي نفسها إلى من يربت على كتفها ويقول لها إن كل شيء سيكون بخير.
تعتني تالا بإخوتها الأربعة، الأكبر منها والأصغر، وتحاول أن تؤدي المهام التي تركها رحيل والديها خلفهما، تطهو ما يتوفر، تبحث عن الماء والطعام، تهتم بالصغار، وتحاول أن تخفي خوفها حتى لا يزداد خوفهم، لكن خلف هذا الوجه الصغير الذي يحاول أن يبدو قويا، تختبئ طفلة مكسورة.
كانت شقيقتها الأكبر تعاني من صدمة نفسية شديدة بعد القصف، وتلجأ كل يوم إلى زاوية من زوايا الغرفة المدمرة، تجلس هناك وتبكي، وكأن تلك الزاوية الصغيرة بين الركام أصبحت المكان الوحيد الذي تستطيع فيه أن تطلق العنان لخوفها وحزنها.
كانت تالا تراها تبكي، ولا تعرف ماذا تفعل، فهي نفسها كانت بحاجة إلى من يحتضنها، لكنها كانت تحاول أن تكون هي الحضن لأختها، ومع مرور الوقت، تدهورت حالة شقيقتها الأكبر، قبل أن ترتقي بعد نحو عام من القصف، في ظل عدم توفر العلاج الذي كانت تحتاج إليه.
رحيل جديد أضاف جرحا إلى قلب تالا، لم تعد خسارتها مقتصرة على الأب والأم والجد، بل فقدت أيضا شقيقتها، واحدة تلو الأخرى، حتى أصبحت دائرة العائلة تضيق من حولها بينما تكبر المسؤولية فوق كتفيها، أما شقيقتها الأصغر، فقد اضطرت إلى أن تستضيفها مؤسسة في النصيرات، لتجد قدرا من الرعاية والحماية بعيدا عن الركام الذي تحاول تالا أن تجعل منه مأوى لإخوتها.
ومع كل صباح، تستيقظ تالا على واقع لا يشبه طفولتها، لا مدرسة تنتظرها، ولا أم تسألها ماذا تريد أن تأكل، ولا أب يمكن أن تلجأ إليه عندما تعجز عن حل مشكلة، هناك فقط إخوة ينظرون إليها وينادونها: "ماما"، وحين يطلبون شيئا لا تستطيع توفيره، تجد نفسها عاجزة أمام عيونهم.
تقول في داخلها إنها تريد أن تمنحهم كل شيء، لكنها لا تملك شيئا تقريبا، تريد لهم بيتا آمنا، لكنها تعيش معهم بين أنقاض بيتهم، تريد لهم الطعام الكافي، لكنها لا تملك مصدرا ثابتا لإعالتهم، كما تريد أن تحميهم من الخوف، لكنها هي الأخرى تخاف، كذلك تريد أن تعيد إليهم طفولتهم، فيما الحرب أخذت طفولتها هي أيضا، ومع ذلك، تستمر.
تستيقظ تالا كل يوم وتحاول أن تجمع ما تبقى من تفاصيل الحياة، تنظر إلى إخوتها، فتتذكر أن عليها أن تكون قوية من أجلهم، ربما لا تعرف من أين ستأتي الوجبة التالية، ولا كيف ستواجه الغد، لكنها تعرف شيئا واحدا، أنها لا تريد أن يشعر إخوتها بأنهم أصبحوا وحدهم، فهي لم تختر أن تكون أما في الرابعة عشرة، ولم تختر أن تحمل مسؤولية أربعة أطفال.
لم تختر أن يصبح الركام منزلها، أو أن تصبح الذكريات أثقل من عمرها، لكن الحرب اختارت لها كل ذلك، وفي المكان الذي كان يفترض أن تعيش فيه طفولتها، تحاول تالا اليوم أن تمنح إخوتها شيئًا من الأمان الذي فقدته هي، لكن خلف كل مرة يردد فيها أحد إخوتها كلمة "ماما"، تختبئ حكاية طفلة كان من حقها أن تنادي أمها هي بهذه الكلمة، وتركض نحو أبيها حين تخاف، لا أن تكون هي الأم والأب لمن تبقى من أسرتها.
تالا ليست مجرد طفلة تعيش بين الركام، إنها طفلة حملت عائلة كاملة على كتفيها، بينما لم تجد حتى الآن من يحمل عنها بعضا من هذا الحمل.