ماذا لو لم تشهد منظومة التعليم إصلاحات؟.. قصة 12 عام من بناء الإنسان وتغيير شكل الفصل الدراسى.. تعيين 150 ألف معلم وتقليل الكثافات وتطوير المناهج والمدارس اليابانية والتكنولوجيا التطبيقية

الجمعة، 11 سبتمبر 2026 07:30 م
ماذا لو لم تشهد منظومة التعليم إصلاحات؟.. قصة 12 عام من بناء الإنسان وتغيير شكل الفصل الدراسى.. تعيين 150 ألف معلم وتقليل الكثافات وتطوير المناهج والمدارس اليابانية والتكنولوجيا التطبيقية قصة 12 عام من بناء الإنسان وتغيير شكل الفصل الدراسى

كتب محمود طه حسين

ماذا لو لم تتحرك الدولة لتطوير منظومة التعليم؟.. ماذا لو استمر عجز المعلمين داخل المدارس دون حلول، وبقيت الفصول الدراسية مزدحمة بعشرات الطلاب، واستمر مستقبل طالب الثانوية العامة معلقًا بامتحان واحد وفرصة واحدة؟.. وماذا لو لم تتغير المناهج، ولم تدخل نماذج تعليمية جديدة مثل المدارس المصرية اليابانية ومدارس التكنولوجيا التطبيقية إلى قلب المنظومة التعليمية؟

أسئلة افتراضية، لكنها تكشف فى الوقت نفسه حجم التحولات التى شهدها قطاع التعليم خلال السنوات الماضية، فى إطار اهتمام الدولة ببناء الإنسان وتحسين مخرجات العملية التعليمية.

فمنذ عام 2014، وضعت الدولة ملف بناء الإنسان ضمن أولوياتها، باعتبار أن تطوير التعليم لا يرتبط فقط بتغيير المناهج أو إنشاء المدارس، لكنه مشروع متكامل يبدأ من المعلم، ويمر بالطالب والفصل الدراسى، ويصل إلى شكل المناهج ومسارات التعليم المختلفة واحتياجات سوق العمل.

وخلال السنوات الماضية، شهدت منظومة التعليم مجموعة من الإجراءات والخطوات التى استهدفت معالجة مشكلات تراكمت على مدار سنوات، من بينها عجز المعلمين، وارتفاع الكثافات الطلابية، وضغط الثانوية العامة، والحاجة إلى تطوير المناهج، وربط التعليم الفنى بسوق العمل.

والسؤال هنا: كيف كان يمكن أن يبدو واقع التعليم لو لم تتحقق هذه الخطوات؟

 

ماذا لو لم يتم سد عجز المعلمين؟.. مدارس بلا استقرار وفصول تبحث عن مدرس

المعلم هو أحد أهم عناصر العملية التعليمية، ولذلك كان ملف العجز فى أعداد المعلمين من أبرز التحديات التى واجهت المدارس خلال سنوات طويلة.

ولو استمر هذا العجز دون تدخل، لكان من الصعب الحديث عن تطوير حقيقى للمناهج أو تحديث أساليب التعليم، لأن أى نظام تعليمى يحتاج فى النهاية إلى معلم قادر على تقديم المحتوى للطالب داخل الفصل الدراسى.

وفى هذا الإطار، وجهت القيادة السياسية بتعيين 150 ألف معلم لتلبية احتياجات المدارس من أعضاء هيئة التدريس، بهدف دعم الاستقرار والانضباط داخل المدارس.

كما اتخذت الدولة إجراءات أخرى للمساهمة فى مواجهة العجز، من بينها تعديل قانون التعليم فيما يتعلق ببقاء المعلم الذى يحل تاريخ خروجه على المعاش فى 31 أغسطس، ليستكمل العام الدراسى الذى يلى هذا التاريخ، بما يمنع حدوث فراغ مفاجئ داخل المدارس مع بداية العام الدراسى.

وفى الوقت نفسه، تم توفير الاعتمادات اللازمة للتعاقد بالحصة مع معلمين لتلبية الاحتياجات فى التخصصات المختلفة، كما تم رفع مقابل الحصة من 20 جنيهًا إلى 50 جنيهًا، بالتنسيق مع وزارة المالية.

ولو لم يتم اتخاذ هذه الإجراءات، لكان العجز فى بعض التخصصات أكثر تأثيرًا على انتظام اليوم الدراسى، وربما كان سيؤدى إلى ضغط أكبر على المعلمين الموجودين بالفعل، أو زيادة الحاجة إلى إعادة توزيع الحصص والجداول.

فالمدرسة لا يمكن أن تحقق الانضباط والاستقرار إذا كان الفصل الدراسى يبحث عن معلم، كما أن الطالب لا يمكن أن يحصل على تعليم جيد دون وجود العنصر البشرى القادر على إدارة العملية التعليمية.

 

ماذا لو ظل مستقبل طالب الثانوية معلقًا بامتحان واحد؟

لسنوات طويلة، ارتبطت الثانوية العامة فى أذهان الطلاب وأولياء الأمور بفكرة «الفرصة الواحدة»، حيث كان امتحان نهاية المرحلة يمثل لحظة فاصلة تحدد بدرجة كبيرة مستقبل الطالب التعليمى.

هذا النموذج خلق ضغوطًا نفسية كبيرة على الطلاب والأسر، وأصبح المجموع هو المحور الرئيسى الذى يدور حوله مستقبل الطالب الجامعى.

ومع تطبيق نظام البكالوريا المصرية، شهدت المرحلة الثانوية تحولًا فى شكل الدراسة وفلسفة التقييم، حيث أصبح الطالب يمتلك أكثر من فرصة لتحسين مستواه ودرجاته.

ويعتمد نظام البكالوريا المصرية على إتاحة 4 فرص امتحانية للطالب خلال عامين دراسيين، مع احتساب الدرجات خلال الصفين الثانى والثالث الثانوى لدخول الجامعة.

كما شهد النظام تقليل عدد المواد الأساسية التى يدرسها الطالب خلال العامين، لتصبح 7 مواد بدلًا من 11 مادة دراسية.

ولو لم يتم الاتجاه إلى هذا النموذج الجديد، لاستمرت مشكلة الضغط المرتبط بامتحان واحد تمثل بالنسبة للطالب والأسر نقطة حاسمة، بينما تستهدف البكالوريا تقديم فلسفة مختلفة تقوم على تعدد الفرص وإتاحة مسارات تعليمية ترتبط بميول الطالب وتخصصه المستقبلى.

كما أن إعادة هيكلة المرحلة الثانوية استهدفت تخفيف الأعباء الدراسية، وإعادة النظر فى عدد المواد وطبيعة المسارات، بما يساعد الطالب على التركيز بصورة أكبر فى المجالات المرتبطة بمستقبله.

وبدون هذه الخطوات، كان من الممكن أن تستمر المرحلة الثانوية بالشكل التقليدى نفسه، بكل ما يرتبط به من ضغط وتكدس المواد والتركيز على امتحان نهائى واحد.

 

ماذا لو بقيت المناهج كما هى؟.. التعليم فى مواجهة عالم يتغير كل يوم

أحد أهم محاور تطوير التعليم يتمثل فى المناهج، لأن الطالب الذى يعيش فى عالم سريع التغير لا يمكن أن يعتمد على محتوى تعليمى لا يواكب التطورات العلمية والتكنولوجية.

ولهذا أطلقت الدولة نظام التعليم الجديد «Education 2.0»، الذى بدأ تطبيقه منذ عام 2017، مستهدفًا تحسين مخرجات التعلم، وبناء مناهج أكثر حداثة وشمولًا.

واستهدفت عملية التطوير تحديث المناهج من رياض الأطفال وحتى مراحل التعليم المختلفة، مع ربطها بمهارات التفكير والتكنولوجيا ومتطلبات العصر.

وخلال العامين الماضيين، تم تطوير 94 منهجًا للتعليم العام، وفق ما أعلنته وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى، إلى جانب استهداف تطوير 160 منهجًا خلال العام الدراسى 2026/2027، بما يشمل مناهج البكالوريا المصرية.

وشملت عملية التطوير مناهج اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، والتربية الدينية الإسلامية والمسيحية، والدراسات الاجتماعية، وغيرها من المواد.

كما تم التعاون مع جهات دولية وخبرات متخصصة فى تصميم المناهج، إلى جانب التعاون مع الجانب اليابانى فى تطوير مناهج العلوم للمرحلة الابتدائية.

ولو لم تبدأ الدولة مشروع تطوير المناهج، لبقيت هناك فجوة متزايدة بين ما يتعلمه الطالب داخل الفصل الدراسى وما يفرضه العالم الخارجى من مهارات جديدة.

فالتعليم لم يعد قائمًا على حفظ المعلومات فقط، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على التفكير وحل المشكلات واستخدام التكنولوجيا والتعامل مع التغيرات المتسارعة.

 ماذا لو لم تدخل التجربة اليابانية ومدارس التكنولوجيا التطبيقية إلى مصر؟

ولم يكن تطوير التعليم خلال السنوات الماضية مقتصرًا على المناهج التقليدية، بل اتجهت الدولة إلى الاستفادة من نماذج تعليمية جديدة، من بينها التجربة اليابانية فى التعليم.

وقامت الدولة بإطلاق مشروع المدارس المصرية اليابانية، التى تقوم فلسفتها على بناء شخصية الطالب بشكل متكامل، وعدم اختزال التعليم فى التحصيل الدراسى فقط.

وتعتمد التجربة على قيم الانضباط وتحمل المسؤولية والعمل الجماعى والأنشطة، وهى عناصر تستهدف بناء شخصية الطالب إلى جانب اكتسابه المعرفة الأكاديمية.

وبدأت المدارس المصرية اليابانية بعدد محدود من المدارس عام 2017، قبل أن يتوسع المشروع بصورة كبيرة.

ووصل إجمالى عدد المدارس المصرية اليابانية إلى 101 مدرسة خلال العام الدراسى 2026/2027، متجاوزًا المستهدف السابق للوصول إلى 100 مدرسة بحلول عام 2030، مع العمل على التوسع مستقبلًا إلى 500 مدرسة.

وفى جانب آخر، شهد التعليم الفنى تحولًا من خلال التوسع فى مدارس التكنولوجيا التطبيقية، التى تستهدف إعداد خريجين يمتلكون المهارات المطلوبة لسوق العمل.

فالتعليم الفنى لم يعد يمكن أن يعتمد على النماذج التقليدية فى وقت تتغير فيه احتياجات سوق العمل بسرعة، خاصة مع التطور التكنولوجى وظهور تخصصات جديدة مرتبطة بالرقمنة والذكاء الاصطناعى.

وارتفع عدد مدارس التكنولوجيا التطبيقية من 62 مدرسة إلى 225 مدرسة، متجاوزًا المستهدف السابق للوصول إلى 200 مدرسة بحلول عام 2030، مع استهداف التوسع مستقبلًا إلى 600 مدرسة.

ولو لم يتم التوسع فى هذه النماذج، لاستمر جانب كبير من الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل، ولأصبح من الأصعب إعداد أجيال تمتلك المهارات العملية المطلوبة فى القطاعات الحديثة.

 ماذا لو بقيت الفصول تضم 120 طالبًا؟.. لماذا كان تقليل الكثافة خطوة لا غنى عنها؟

ربما يكون أحد أهم التحديات التى واجهت العملية التعليمية هو ارتفاع الكثافات الطلابية داخل بعض الفصول.

فالفصل الذى يضم أعدادًا كبيرة من الطلاب لا يمثل مجرد مشكلة مكانية، لكنه يؤثر بصورة مباشرة على قدرة المعلم على التواصل مع الطلاب، وعلى متابعة المستوى الدراسى لكل طالب، وعلى قدرة الطالب نفسه على التركيز والاستيعاب.

ولهذا، كان ملف تقليل الكثافات الطلابية من أهم محاور إصلاح المنظومة التعليمية.

ونجحت الدولة فى خفض الكثافات فى بعض المناطق التى كانت تشهد فصولًا تضم نحو 120 طالبًا، لتصل إلى نحو 50 طالبًا.

ولو لم تتحقق هذه الخطوة، لكانت كثير من جهود تطوير المناهج وتحسين أساليب التعليم تواجه تحديًا كبيرًا داخل الفصل الدراسى.

فلا يمكن الحديث عن تعليم حديث أو تعلم نشط داخل فصل مزدحم بدرجة تعيق حركة المعلم أو تمنع التواصل المباشر مع الطلاب.

كما أن تقليل الكثافة يمنح المعلم فرصة أكبر لمتابعة الطلاب، ويخلق بيئة تعليمية أكثر قدرة على استيعاب الأنشطة وأساليب التدريس الحديثة.

ومن هنا، فإن خفض الكثافة لا يمثل مشروعًا منفصلًا عن باقى الإصلاحات، لكنه أحد الشروط الأساسية لنجاحها.

من «محلك سر» إلى تغيير شكل المنظومة

إن النظر إلى ما تحقق فى قطاع التعليم خلال السنوات الماضية من خلال سؤال «ماذا لو؟» يكشف أهمية الترابط بين خطوات الإصلاح المختلفة، فلو تم تطوير المناهج دون وجود معلم كافٍ، لبقيت المشكلة قائمة، ولو تم تعيين المعلمين دون معالجة الكثافات، لظل الفصل المزدحم عائقًا أمام تطوير التعليم، ولو تم تخفيف الكثافات دون تحديث المناهج، لاستمرت فجوة المحتوى التعليمى، ولو استمر التعليم الفنى بعيدًا عن احتياجات سوق العمل، لما استطاع الخريج المنافسة فى سوق سريع التغير.

ولهذا، فإن مشروع تطوير التعليم خلال السنوات الماضية اعتمد على مجموعة من المسارات المتوازية، شملت العنصر البشرى والمناهج والمرحلة الثانوية والبيئة التعليمية والنماذج الجديدة للتعليم.

وبعد 12 عامًا من وضع بناء الإنسان ضمن أولويات الدولة، أصبح من الممكن النظر إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولات لمعالجة مشكلات متراكمة، وليس مجرد إجراءات منفصلة.

ويبقى التحدى الأهم خلال المرحلة المقبلة هو استكمال هذا المسار، والحفاظ على ما تحقق، والتوسع فى النماذج التعليمية الناجحة، حتى يشعر الطالب وولى الأمر والمعلم بنتائج التطوير داخل الفصل الدراسى.

فالإجابة عن سؤال «ماذا لو لم تتحقق هذه الإنجازات؟» تقود فى النهاية إلى صورة واضحة: كان من الممكن أن تستمر المنظومة فى مواجهة العجز والتكدس وضغط الامتحان الواحد والمناهج التى تحتاج إلى تحديث، والفجوة بين التعليم وسوق العمل.

لكن ما تحقق خلال السنوات الماضية نقل ملف التعليم إلى مرحلة جديدة، عنوانها أن بناء الإنسان لا يبدأ من شهادة يحصل عليها الطالب فى نهاية العام، وإنما من معلم مؤهل، وفصل مناسب، ومنهج حديث، وفرص تعليمية متعددة، ومدرسة قادرة على إعداد الطالب للحياة وسوق العمل، وليس للامتحان فقط.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة