يمثل تاريخ العنف المرتبط بجماعة الإخوان أحد أكثر الحقائق في مسيرتها السياسية والتنظيمية، منذ تأسيس الجماعة في مصر عام 1928. وعلى مدار عقود، شهدت الجماعة تحولات فكرية وتنظيمية، ارتبط بعضها بأعمال عنف واغتيالات سياسية، فيما تبنت قيادات وأجنحة أخرى خطابًا يركز على العمل الدعوي والسياسي. ويبرز في هذا السياق تأثير عدد من الأفكار والتنظيرات التي ظهرت داخل الجماعة، خصوصًا خلال أربعينيات وستينيات القرن الماضي، وما تركته من انعكاسات على بعض التنظيمات والتيارات التي خرجت من رحمها. ومن هنا، يظل بحث العلاقة بين الفكر والتنظيم والممارسة محورًا أساسيًا لفهم مسار العنف والتطرف في تاريخ الجماعة.
امتداد الفكر القطبي داخل الإخوان
وبحسب ما ذكره الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة طارق أبو السعد؛ فإن تاريخ العنف داخل الجماعة بدأ مبكرًا، بينما أسهم سيد قطب في تقديم التنظير الفكري الذي تبنته لاحقًا مجموعات إسلاموية مختلفة. ويبرز اسم محمد أحمد البحيري، أحد القيادات المرتبطة تاريخيًا بجماعة الإخوان، في سياق الحديث عن امتدادات الفكر القطبي داخل التنظيم، ودور بعض القيادات في نقل هذا الفكر بين الأجيال والدول.

طارق ابو السعد
ويقول أبو السعد، في تصريح لـ" اليوم السابع"، إن أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي ظلت مؤثرة في عدد من التيارات الإسلاموية، مشيرًا إلى أن انتشارها ارتبط بوجود أفراد ومجموعات عملت على نقلها من الكتب إلى الواقع. وفي هذا السياق، يشير إلى ظهور ما عُرف داخل الإخوان بـ"القطبيين"، وهم الأتباع الذين تبنوا أفكار قطب واعتبروها أساسًا للعمل التنظيمي.
ويضع أبو السعد؛ القيادى الإخوانى محمد البحيري ضمن أبرز من وصفهم بورثة الفكر القطبي، مشيرًا إلى ارتباط اسمه بما يُعرف بـ"تنظيم 65"، الذي اتهمته السلطات المصرية آنذاك بالتخطيط لأعمال عنف واغتيالات وتخريب منشآت حيوية، إلى جانب السعي لتغيير النظام السياسي بالقوة. ويربط الباحث هذه الاتهامات بما ورد في كتاب سيد قطب "لماذا أعدموني".
من السجن إلى اليمن
وأضاف" أبو السعد" عمل "البحيري" مهندسًا كيميائيًا في شركة النصر لصناعة الكوك والكيماويات بحلوان، وكان قد انضم إلى جماعة الإخوان وتولى مسؤولية مجموعة تابعة لها في حي السيدة زينب. وبعد القبض على أعضاء التنظيم، أصبح البحيري المتهم رقم 25 في القضية رقم 12، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، وهذا وفق ما أورده محمد الصروي في كتابه "الإخوان.. الزلزال والصحوة".
وتابع: "الباحث في شؤون الحركات المتطرفة"خرج البحيري من السجن في أوائل سبعينيات القرن الماضي قبل انتهاء مدة العقوبة، ثم توجه إلى اليمن بتكليف من قيادات الجماعة للإشراف على عناصر الإخوان المصريين العاملين في المؤسسات التعليمية هناك. موضحًا؛ خلال نحو عقدين من الإقامة في صنعاء، فإن البحيري لعب دورًا في إعادة تشكيل العناصر التنظيمية القادمة من مصر، مستفيدًا من وجود أعداد كبيرة من المصريين العاملين في قطاع التعليم. كما ارتبط نشاطه بـ"الأسر التربوية والكتائب والمعسكرات"، التي قال إنها كانت تهدف إلى ترسيخ الانضباط التنظيمي والأفكار القطبية لدى الشباب.

محمد البحيرى
شبكة علاقات عابرة للحدود
وبحسب ما أكد عليه أبو السعد، جرى توظيف أنشطة تعليم اللغة العربية والعمل الخيري والإغاثي كإطار للتحرك في بعض البيئات المختلفة من القارة الإفريقية والأسيوية ، بما أتاح بناء علاقات مع عناصر محلية وتكوين شبكات تنظيمية. مضيفًا؛ ومع تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، انتقل البحيري إلى السودان، حيث استقر في الخرطوم، وواصل نشاطه وعلاقاته المرتبطة بالتنظيم الدولي.
نفوذ داخل التنظيم المصري
يرى أبو السعد أن نفوذ البحيري لم يتوقف عند حدود النشاط الخارجي، وإنما امتد إلى التنظيم المصري من خلال العناصر التي عادت من اليمن. ويقول إن عددًا من هؤلاء حصلوا على درجات تنظيمية، من بينها رتبة "نقيب"، ثم تولوا مواقع إدارية داخل المحافظات ومكاتب الشعب، الأمر الذي على توسيع دائرة نفوذ البحيري داخل الجماعة.
الخلافات الداخلية ومستقبل القيادة
مع اندلاع الخلافات داخل جماعة الإخوان بين جبهتي إسطنبول ولندن، حاول البحيري في البداية، حسبما أكد طارق أبو السعد الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، لعب دور الوسيط بين الطرفين. إلا أن الخلافات دفعت به في النهاية إلى الانحياز لجبهة لندن بقيادة إبراهيم منير، قبل أن يعلن محمود حسين فصله من الجماعة.
ويرى أبو السعد، أن المكانة التي يحتفظ بها البحيري لدى عدد من العناصر التي أشرف على تربيتها خلال سنوات وجوده في اليمن قد تمنحه فرصة للعب دور أكبر مستقبلًا. وبينما يبقى مستقبل قيادة الجماعة محل صراع داخلي، فإن مسيرة البحيري، تعكس أحد مسارات انتقال النفوذ داخل التنظيم من جيل إلى آخر، عبر بناء شبكات من الأتباع والعلاقات التنظيمية الممتدة خارج الحدود.