هيثم الحاج على

أحمد درويش.. نبل الإنسان وديمقراطية الأستاذ

الخميس، 05 مارس 2026 02:05 م


رحل الأستاذ الدكتور أحمد درويش عن دنيانا، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه سوى تراثه النقدي الضخم وسيرته الإنسانية التي ضربت مثلا نادرا في الرقي الأكاديمي، حيث كان واحدا من أعمدة النقد العربي المعاصر، وأستاذا ممن صنعوا تاريخ كلية دار العلوم العريقة.

تعود ذاكرتي مع الراحل الكبير إلى عام 1994، حين قصدت مكتبه بكلية دار العلوم طالبا ريفيا لا يملك سوى طموحه، ودون موعد مسبق أو معرفة تؤهله للقاء قامة بمكانته، جئت مدفوعا بمقال قرأته له في جريدة الأهرام عن يوسف الشاروني، وقررت أن يكون هو موضوع رسالتي للماجستير تحت إشرافه، وعلى الرغم مشاغله الكثيرة التي دفعته للاعتذار في البداية، فإن إصرار الطالب قد قابله حنو الأب؛ حيث طلب مني إعداد ملخص للرسالة في اختبار لمدى الجدية، وكانت سعادتي لا توصف حين قرأه ووافق على الإشراف، ليبدأ فصلا جديدا من التعلم على يد عالم جمع بين ثقافة التراث وبين المنهجية الصارمة التي تشربها خلال دراسته للدكتوراه في جامعة السوربون.

لم يكن الدكتور أحمد درويش مجرد مشرف أكاديمي، بل كان نموذجا للديمقراطية العلمية في أسمى صورها؛ فرغم انضباطه الشديد، كان يسمح لتلميذه بإثبات آراء علمية لا يوافق هو شخصيا عليها، مشترطا فقط قدرة الطالب على الدفاع عن رأيه بحجة ومنطق أمام لجنة المناقشة.

تجلى نبله كذلك في حرصه الفائق على إتمام إجراءات دراستي رغم تواجده آنذاك في سلطنة عمان، حيث كان يتابع التفاصيل بصفة يومية عبر الهاتف، ليطمئن على سير الخطوات الإدارية والعلمية بدقة متناهية، في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل بهذه السهولة التي هي عليها الآن.

امتدت علاقتي بالأستاذ الراحل لسنوات طوال، ظل فيها متابعا مخلصا لكل خطواتي في عالم النقد والإدارة الثقافية حين كنت العضو الأصغر في لجنة الدراسات الأدبية واللغوية بالمجلس الأعلى للثقافة والتي كانت تشرف برئاسته، حيث كان موجها وداعما بكل نبل وترفع، ومتحمسا لتنفيذ أفكار العضو الشاب وقتها حتى لو كانت تلك الأفكار على عكس ما يعتنق هو.

لقد جسد الدكتور أحمد درويش صورة الأستاذ الجامعي الذي يترفع عن الصغائر، ويتقبل الآراء المخالفة بصدر رحب، ويتعامل برقي مع الخصوم قبل الأصدقاء، متسلحا بعقلانية منهجية وحلاوة لسان وسلاسة في السرد جعلت من دروسه ومحاضراته متعة معرفية خالصة.

يرحل أحمد درويش بجسده، لكنه يبقى في وجدان تلاميذه ومحبيه مدرسة في الأخلاق والعلم، ونموذجا يحتذى به في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وفي تقديم يد العون لكل من طرق بابه باحثا عن المعرفة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب


الموضوعات المتعلقة

المحتوى.. شعر هذا الزمان

الخميس، 26 فبراير 2026 11:00 ص

الرجوع الى أعلى الصفحة