هيثم الحاج على

المحتوى.. شعر هذا الزمان

الخميس، 26 فبراير 2026 11:00 ص


إذا كان الشعر قديما قد سمي بديوان العرب لأنه كان السجل الذي يحفظ تاريخهم، قيمهم، ومعاركهم، فإن صناعة المحتوى اليوم هي بلا شك شعر العصر الحديث، وهذا الوصف ليس مجازيا، بل هو رصد لواقع تحول فيه المحتوى الرقمي إلى الوسيلة الأساسية لتوثيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والإبداعية التي نعيشها.

تشير الإحصائيات العالمية إلى أن عدد صناع المحتوى في العالم قد تجاوز 200 مليون شخص، وهي صناعة تُقدر قيمتها السوقية بنحو 250 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه القيمة بحلول عام 2027، وتؤكد هذه الأرقام أننا لسنا أمام مجرد هواية أو تسلية، بل أمام قطاع اقتصادي متكامل يعيد تشكيل سوق العمل العالمي، ويخلق فرصا إبداعية لم تكن موجودة قبل عقد من الزمان.

تعمل منصات صناعة المحتوى كمرآة دقيقة للتغيرات الحاصلة في القيم الإنسانية، ففي السابق، كانت المؤسسات الكبرى هي التي تضع المعايير الثقافية، أما الآن فقد انتقلت سلطة التأثير إلى الفرد، مما يجعلنا نلاحظ اليوم تحولا جذريا نحو الاقتصاد القائم على الثقة، حيث يميل الجمهور لتصديق تجارب الأفراد الشخصية أكثر من الإعلانات المؤسسية التقليدية، ويعكس هذا التحول قيم الشفافية والواقعية التي أصبحت تتصدر اهتمامات الجيل الحالي.

وعلى الصعيد الإبداعي فقد غيرت صناعة المحتوى مفهوم الفن، حيث لم يعد الإبداع محصورا في أدوات معقدة أو استوديوهات ضخمة؛ بل أصبح يعتمد على الفكرة والقدرة على تطويع التكنولوجيا البسيطة، فتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأدوات المونتاج السريع عبر الهاتف، وقوالب السرد القصصي القصير (Reels & TikTok)، كلها أدوات خلقت لغة بصرية ولغوية جديدة، وتتسم هذه اللغة بالسرعة والكثافة المعلوماتية، وهي السمات التي تكرر ما كان يفعله البيت الشعري قديما حين يلخص حكمة كاملة في كلمات معدودة.

إن صناعة المحتوى هي التدوين الحقيقي لعصرنا، وهي التي تخبرنا كيف نأكل، وكيف نفكر، وما الذي يضحكنا أو يثير اهتمامنا، إنها الشعر الجديد الذي لا يُكتب بالقافية والوزن، بل بالصورة والكلمة والتفاعل اللحظي، ويظل الاعتراف بهذا الواقع هو الخطوة الأولى لاستثمار هذه القوة الناعمة في بناء وعي جمعي يواكب سرعة العالم من حولنا.

لكن سيبقى السؤال حول الدور الذي يجب أن تؤديه المؤسسة الثقافية لنقد وترشيد ما يفعله هذا الوسيط الجديد، وهل يجب في الأساس عليها التدخل أم يبقى الدور محصورا في المراقبة لاستنباط المشكلات والأمراض المجتمعية، وهل سيكون على هذه المؤسسة الدخول في معترك الإنتاج من أجل صناعة قيم وازنة لهذا الإبداع الجديد.

إن الأمر يبقى في النهاية رهن الدراسة والمراقبة والتحليل وهو حديث ربما يكون له روافد أخرى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة