الإمبراطورية المتصدعة.. صراع المال والشرعية يدفعان الإخوان إلى أخطر مراحل الانقسام.. أزمات مالية وانشقاقات إقليمية وشباب عالقون فى معارك القيادات.. وحروب الجبهات تلتهم ما تبقى من تماسك الجماعة

الثلاثاء، 16 يونيو 2026 02:00 م
الإمبراطورية المتصدعة.. صراع المال والشرعية يدفعان الإخوان إلى أخطر مراحل الانقسام.. أزمات مالية وانشقاقات إقليمية وشباب عالقون فى معارك القيادات.. وحروب الجبهات تلتهم ما تبقى من تماسك الجماعة الاخوان

سمر سلامة

لم يعد الخلاف داخل جماعة الإخوان الإرهابية يقتصر على تباينات تنظيمية أو اختلافات في الرؤى السياسية، لكنه تحول خلال السنوات الأخيرة إلى صراع مفتوح على الشرعية والنفوذ والموارد المالية، في مشهد يكشف حجم التصدعات التي تضرب التنظيم على مستويات متعددة، وبين جبهتي لندن وإسطنبول، وانشقاقات الفروع الإقليمية، وتراجع الموارد الاقتصادية، وتنامي حالة الغضب بين الشباب المقيمين بالخارج، أصبحت الجماعة أمام واحدة من أكثر أزماتها تعقيدًا منذ تأسيسها.

الشباب في قلب المعركة

في الوقت الذي تتنافس فيه القيادات على إدارة المشهد التنظيمي، وجد كثير من شباب الجماعة المقيمين في الخارج أنفسهم عالقين بين أجنحة متصارعة تستخدم ملفات الإقامة والسكن والعمل والمساعدات المالية كأدوات للضغط وفرض الولاءات.

ومع تراجع الدعم المالي الذي كانت توفره الجماعة خلال السنوات الماضية، ازدادت معاناة عدد من العناصر المقيمة بالخارج، خاصة أولئك الذين رفضوا الانحياز لأي من الجبهتين المتنافستين، وتحدثت تقارير وشهادات متداولة داخل الأوساط الإخوانية عن تعرض بعض الشباب لضغوط مادية ونفسية، وحرمان آخرين من المساعدات أو الدعم القانوني المتعلق بتجديد الإقامات والأوراق الرسمية، في إطار محاولات كل طرف تعزيز نفوذه داخل التنظيم.

هذه الأوضاع دفعت عدداً من الشباب إلى الابتعاد عن النشاط التنظيمي، فيما اختار آخرون الانسحاب الكامل من المشهد بعد سنوات من الارتباط بالجماعة، وسط شعور متزايد بأنهم أصبحوا وقودًا لصراعات لا علاقة لهم بها.

حرب الشرعية بين لندن وإسطنبول

تتمثل أبرز ملامح الأزمة الحالية في الانقسام الحاد بين جبهتين تتنافسان على تمثيل الجماعة وقيادتها، الجبهة الأولى تتمركز في إسطنبول بقيادة محمود حسين، القائم بأعمال المرشد العام، بينما تتخذ الجبهة الثانية من لندن مركزًا لها بقيادة صلاح عبدالحق، الذي يمثل الامتداد التنظيمي للجبهة التي تشكلت في عهد القيادي الراحل إبراهيم منير.

ورغم أن الخلاف يُطرح أحيانًا باعتباره نزاعًا إداريًا أو تنظيميًا، فإن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير، إذ يرتبط بالصراع على إدارة الاستثمارات والأصول المالية والشركات التابعة للتنظيم في الخارج، إلى جانب السيطرة على المنصات الإعلامية وشبكات العلاقات والدعم الدولي.

ويعتبر مراقبون أن هذا الصراع كشف تحولاً في أولويات القيادات المتنافسة، حيث باتت معارك النفوذ والموارد تتصدر المشهد على حساب الخطاب السياسي والتنظيمي التقليدي الذي طالما تبنته الجماعة.

الأموال في قلب الأزمة

ولم تكن الاتهامات المتعلقة بالتحكم في الموارد المالية جديدة داخل الجماعة، ففي عام 2017 أثار القيادي الإخواني عز الدين دويدار جدلاً واسعاً عندما وجه انتقادات حادة لقيادات بارزة داخل التنظيم، متهماً إياها بالسيطرة على صناديق واستثمارات الجماعة في الخارج واستخدام الدعم المالي وسيلة للضغط على الأعضاء وفرض الولاء التنظيمي.

وأعادت تلك الاتهامات فتح ملف الاستثمارات والشبكات الاقتصادية المرتبطة بالتنظيم، والتي ظلت لعقود أحد أهم مصادر قوته وقدرته على إدارة أنشطته المختلفة داخل عدد من الدول.

ومع تصاعد الخلافات بين الأجنحة المتنافسة، أصبحت السيطرة على هذه الموارد أحد أهم محاور الصراع، خاصة في ظل تراجع حجم التمويل المتاح مقارنة بالسنوات السابقة، وما ترتب على ذلك من منافسة محتدمة على الموارد المتبقية.

انقسامات تمتد إلى الفروع الإقليمية

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود التنظيم الدولي، بل امتدت إلى عدد من الفروع الإقليمية التي شهدت بدورها انقسامات وصراعات داخلية، في الأردن برز أيضا الانقسام التاريخي بين تياري "الحمائم" و"الصقور"، حيث تبنى الأول نهجاً أكثر مرونة في التعامل مع الدولة الأردنية، بينما اتجه الثاني إلى مواقف أكثر تشدداً وارتباطاً بخيارات المواجهة السياسية.

واستفادت السلطات الأردنية من هذا الانقسام عندما منحت الترخيص القانوني لجمعية الإخوان المسلمين الجديدة عام 2015، وهو ما ترتب عليه فقدان الجماعة التقليدية لوضعها القانوني السابق، ودخولها مرحلة جديدة من التراجع التنظيمي.

أما في العراق، فقد انعكس الانقسام الإخواني على أداء الحزب الإسلامي العراقي، الذي مثل لسنوات الواجهة السياسية الرئيسية للجماعة، وبعد عام 2003 برز خلاف واضح بين تيار يؤيد المشاركة في العملية السياسية ومؤسسات الدولة، وآخر رفض هذا المسار، ما أدى إلى تراجع النفوذ السياسي للحزب وظهور كيانات جديدة أسسها قياديون منشقون سعوا لإعادة صياغة حضور الجماعة داخل المشهد العراقي.

ما بعد يوسف ندا.. سؤال المال والمستقبل

شكلت وفاة يوسف ندا في ديسمبر 2024 محطة مهمة في مسار الأزمة الداخلية للجماعة، فالرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بإدارة شبكة واسعة من العلاقات والاستثمارات والكيانات الاقتصادية العابرة للحدود، كان يمثل أحد أبرز أركان البنية المالية للتنظيم الدولي.

ومع غيابه، تصاعدت التساؤلات حول مستقبل هذه الشبكات الاقتصادية وقدرة القيادات الحالية على إدارتها، خاصة في ظل غياب شخصية تمتلك الخبرة والنفوذ اللذين تمتع بهما ندا، إلى جانب الضغوط القانونية والرقابية المتزايدة التي تواجهها الكيانات المرتبطة بالتنظيم في عدد من الدول.

ويرى متابعون أن الأزمة المالية لم تعد مجرد تحدٍ اقتصادي، بل أصبحت أحد العوامل الرئيسية التي تغذي الصراعات الداخلية وتعمق الانقسامات بين الأجنحة المتنافسة.

أزمة وجودية

في ظل استمرار التنافس بين جبهتي لندن وإسطنبول، وتراجع الموارد المالية، واتساع فجوة الثقة بين القيادات والقواعد التنظيمية، تبدو الجماعة أمام واقع مختلف عن الأزمات التي مرت بها في السابق، فالانقسامات الحالية لم تعد مجرد خلافات فكرية أو إدارية قابلة للاحتواء، لكنها تحولت إلى صراع متعدد المستويات على النفوذ والتمويل والشرعية، انعكس بصورة مباشرة على تماسك التنظيم ووحدته الداخلية.

ومع استمرار حالة الاستقطاب وتزايد الانشقاقات، يواجه التنظيم تحدياً وجودياً يتعلق بقدرته على الحفاظ على بنيته التقليدية واستعادة تماسكه، في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية وتتراجع فيه قدرته على إدارة خلافاته الداخلية، وبين صراع القيادات وتآكل الموارد وتراجع الثقة، تبدو جماعة الإخوان أمام واحدة من أكثر المراحل غموضاً وتعقيداً في تاريخها الحديث.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة