في مسلسل "عين سحرية"، نجد أن الرؤية الإخراجية تحت قيادة السدير مسعود تعتمد كلياً على قلب الموازين وعكس الآية؛ ففي تحليل الخوف والرغبة بين باسم وعصام، نكتشف أبعاداً سيكولوجية مذهلة صاغتها الموسيقى والأداء بتناغم فريد، ليأتي الضلع الثالث محمد علاء ويتمم هذا المثلث الدرامي بأداء استثنائي لشخصية المحامي الفاسد. حيث برزت عبقرية السدير في جعل الكاميرا أداة تشريح لا أداة رصد، فلم يعد باسم وعصام مجرد خصمين، بل أصبحا انعكاساً معكوساً لبعضهما البعض؛ فباسم جسد الرغبة العارمة في اختراق المجهول، لكنه في الوقت ذاته كان يعكس خوفاً وجودياً من أن يرى حقيقته هو في عيون الآخرين، بينما ظهر عصام ككتلة من الثبات، لكن خلف هذا الجمود كانت تقبع رغبة محمومة في السيطرة على الفوضى والخوف الذي يلتهم داخله.
وهذا "الهرمونيك" بين الشخصيتين لم يكن ليظهر بهذا الجلاء لولا موسيقى خالد كمار، التي كانت بمثابة المترجم الفوري لنبضات قلوبهما، حيث تآلفت الألحان مع نظرات العيون لتخلق حالة من التوتر الذي يسبق العاصفة. ولا يمكن قراءة "عين سحرية" دون التوقف طويلاً عند أداء محمد علاء الذي أبدع في دور المحامي الفاسد، مقدماً أداءً بعيداً عن الكليشيهات المعتادة؛ فكان فساداً ناعماً وهادئاً، مما جعله الطرف الأخطر في المعادلة، حيث استخدم لغة جسده وثباته الانفعالي ليتلاعب بالقانون والأخلاق بدم بارد.
وبوجود محمد علاء بجانب عصام وباسم، اكتملت توليفة الثلاثي الأقوى تمثيلاً لهذا الموسم؛ فإذا كان عصام وباسم يمثلان الصراع الداخلي والنفسي، فإن محمد علاء مثّل الواقع الفاسد الذي يحيط بهما، مما جعل الحبكة تكتسب ثقلاً درامياً قلما نشهده. وتكمن عبقرية الحبكة في أنها لم تكتفِ برصد الحدث، بل رصدت أثر الحدث على الأرواح؛ فالسدير مسعود لم يستخدم موسيقى خالد كمار كخلفية، بل كأداة لاختراق جدران الصمت.
والفكرة الجديدة في المسلسل هي أن "العين السحرية" لم تكن تطل على الممر، بل كانت تطل على الدهاليز المظلمة في نفس المحامي الفاسد وصراعات باسم وعصام، لتكون الخلاصة الفنية أن هذا العمل قدم وجبة دسمة؛ حيث يكتشف المشاهد في النهاية أن العين السحرية ما هي إلا وسيلة نبصر بها عيوبنا قبل عيوب الآخرين. فالمسلسل لم يكن مجرد دراما عابرة، بل حالة من التكثيف الشعوري الذي يجعل المشاهد يتساءل عن حدود الخصوصية ومعاني الثقة الضائعة في زمن الانكشاف التام، حيث برع السدير في توظيف كل التفاصيل الفنية التي تحبس الأنفاس وتعزز شعور الحصار النفسي الذي يعيشه الثلاثي المرعب، وسط غابة من العلاقات المتشابكة والمصالح المتقاطعة التي تعيد رسم ملامح الحقيقة المشوهة خلف الأبواب الموصدة؛ لتظل صرخة الصمت التي أطلقها كمار بموسيقاه هي الصدى الباقي في ذاكرة الجمهور العربي الذي تعطش لمثل هذا الرقي الفني والجرأة في طرح التساؤلات الفلسفية الوجودية العميقة، التي مست جوهر الروح البشرية في أدق تجلياتها؛ ضعفها وقوتها في آن واحد.