انطلقت اليوم الأحد، بمقر الأمانة العامة لـ جامعة الدول العربية في القاهرة، فعاليات إحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وذلك للمرة الأولى منذ اعتماد السابع عشر من أكتوبر من كل عام يوماً سنوياً لاستذكار الضحايا، تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته الـ166، في خطوة تستهدف الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، وتعزيز الجهود العربية والدولية لتحقيق العدالة، وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين من المحاسبة.
وشهدت الفعالية مشاركة ممثلي الدول العربية وعدد من السفراء والدبلوماسيين والشخصيات البرلمانية، حيث ألقى السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، كلمة نيابة عن نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، كما ألقى محمد أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي ورئيس لجنة فلسطين، كلمة تناولت أهمية توثيق الانتهاكات وتعزيز المساءلة القانونية الدولية.
لماذا اختارت الجامعة العربية 17 أكتوبر لإحياء ذكرى ضحايا غزة؟
يرتبط اختيار السابع عشر من أكتوبر بالأحداث التي شهدها قطاع غزة في ذلك اليوم من عام 2023، وفي مقدمتها مأساة المستشفى الأهلي العربي «المعمداني» بمدينة غزة، التي أصبحت إحدى أبرز الوقائع المرتبطة بالمعاناة الإنسانية خلال الحرب.
وبحسب ما أورده رئيس البرلمان العربي في كلمته، فقد شهد ذلك اليوم سقوط أكثر من 700 فلسطيني خلال أقل من 24 ساعة، في سياق الأحداث التي شملت المستشفى المعمداني ومناطق أخرى من قطاع غزة.
وجاء اعتماد المناسبة بموجب قرار مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري خلال دورته الـ166، استناداً إلى مقترح قدمه السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة، بهدف تخصيص يوم سنوي لاستذكار الضحايا، وتخليد ذكراهم في الوعي العربي والدولي.
ولا يقتصر الهدف من المناسبة على استحضار ذكرى الضحايا، وإنما يمتد إلى توثيق الجرائم والانتهاكات وحفظ الأدلة المرتبطة بها، وتعزيز الجهود السياسية والقانونية الرامية إلى تحقيق العدالة، باعتبار أن الحفاظ على الذاكرة يمثل أحد مسارات حماية الحقوق الفلسطينية.
نبيل فهمي: التهجير قد يحدث بالقوة أو بفرض ظروف تجعل البقاء بالغ الصعوبة
وفي كلمته التي ألقاها نيابة عنه السفير فائد مصطفى، حذر نبيل فهمي من التداعيات الإنسانية لاستمرار القيود المفروضة على وصول المساعدات ومواد إعادة الإعمار إلى قطاع غزة، وما يصاحبها من تدهور الخدمات الأساسية وتقلص المساحات الآمنة للسكان.
وقال فهمي: «إننا نحذر من أن تتحول هذه الظروف إلى أداةٍ لدفع السكان إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة الحاجة والخوف وانعدام مقومات الحياة»، مضيفاً أن «التهجير قد يُمارَس بالقوة المباشرة، وقد تصنعه أيضاً ظروفٌ قسرية تجعل البقاء بالغ الصعوبة».
وشدد على أن حماية الفلسطينيين من النقل القسري وصون حقهم في البقاء على أرضهم يمثلان مسؤولية قانونية وإنسانية، مؤكداً أن توفير الغذاء والمياه والدواء والمأوى لا يمكن إخضاعه للحسابات السياسية.
وأضاف: «إن الجوع ليس وسيلةً مشروعةً لإخضاع الشعوب، والماء ليس ورقةً للمساومة، والدواء ليس امتيازاً يُمنح أو يُحجب وفق الحسابات السياسية».
وطالب بضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، واستعادة الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير المأوى الملائم للنازحين.
وأشار إلى أن الإحصاءات الطبية الفلسطينية التي استندت إليها الكلمة تفيد بتجاوز عدد القتلى في قطاع غزة 74 ألفاً منذ أكتوبر 2023، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، في مؤشر على حجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب.
الأمين العام: خطط السلام لا تُقاس بالوعود بل بما تغيره في حياة سكان غزة
وتناول فهمي في كلمته مستقبل الترتيبات السياسية والأمنية المطروحة لقطاع غزة، محذراً من أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والسيطرة على مساحات واسعة من القطاع يثير تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام باستحقاقات وقف إطلاق النار والانتقال من الحرب إلى التعافي.
وقال إن وقف إطلاق النار كان ينبغي أن يشكل مدخلاً لإنهاء الحرب واستعادة الحياة وتهيئة الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، معتبراً أن استمرار الهجمات والقيود المفروضة على السكان يجعل السلام مرحلة لم تستكمل شروطها على الأرض.
وفي إشارة إلى المبادرات المطروحة بشأن المرحلة المقبلة، بما فيها الترتيبات الانتقالية ومجلس السلام وآليات الإشراف الدولي وإعادة الإعمار، أكد فهمي ترحيب الجامعة العربية بكل جهد جاد ينهي معاناة المدنيين ويقود إلى سلام عادل ودائم.
لكنه شدد على أن «جدية أي خطة لا تُقاس بجمال صياغتها، ولا بعدد الاجتماعات التي تُعقد بشأنها، ولا بما تتضمنه من وعودٍ مستقبلية؛ بل تُقاس بما تحدثه من تغييرٍ ملموس في حياة الناس».
ودعا مجلس الأمن الدولي والجهات المعنية بتنفيذ الخطط المطروحة إلى تحويل التعهدات إلى نتائج عملية، وضمان تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، وتهيئة الظروف لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية إلى أداء دورها في قطاع غزة.
وأكد أن إعادة الإعمار ينبغي أن تكون «عمليةً فلسطينية القيادة، عربيةً ودولية الدعم»، بما يضمن الحفاظ على حقوق السكان في الأرض والممتلكات وربط إعادة البناء بمسار سياسي ينتهي بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
رئيس البرلمان العربي: تخصيص 17 أكتوبر رسالة بأن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم
من جانبه، أكد محمد أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي، أن إحياء الذكرى يمثل التزاماً متجدداً بالدفاع عن حقوق الضحايا ومواصلة العمل لتحقيق العدالة، مشدداً على أن المناسبة تتجاوز بعدها الرمزي إلى تثبيت الذاكرة الفلسطينية في الوعي العربي والدولي.
وقال اليماحي إن ضحايا الأحداث التي شهدها قطاع غزة، وفي مقدمتها مأساة المستشفى المعمداني، «ليسوا مجرد أرقام في سجل المأساة الفلسطينية، بل أصحاب حقوق لا تسقط بالتقادم».
وأعلن دعم البرلمان العربي لمقترح المندوب الفلسطيني بشأن اعتماد تسمية وتوصيف قانوني للجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، وتخصيص السابع عشر من أكتوبر من كل عام لإحياء ذكرى ضحاياها.
وأوضح أن اعتماد هذا اليوم يمثل «موقفاً سياسياً وقانونياً وأخلاقياً في مواجهة محاولات طمس الحقيقة وتغييب الضحايا»، مشيراً إلى أهمية ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 16 سبتمبر 2025 بشأن ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وشدد على أن المطلوب لا يقتصر على توثيق الوقائع، وإنما يشمل اتخاذ خطوات عملية تضمن المساءلة، مع التأكيد على أن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة.
البرلمان العربي يطالب بتمكين المحققين الدوليين ويستعرض تحركاته في تنزانيا وبريطانيا
ودعا اليماحي الأمم المتحدة والدول الأطراف في الاتفاقيات الدولية إلى التعاون مع آليات التحقيق والجهات القضائية المختصة، وضمان حفظ الأدلة وحماية الشهود، وتمكين المحققين الدوليين من الوصول الآمن وغير المقيد إلى المواقع ذات الصلة بالتحقيقات.
وأكد أن البرلمان العربي يعمل على توظيف الدبلوماسية البرلمانية لحشد الدعم الدولي للحقوق الفلسطينية، مشيراً إلى مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة الـ153 للاتحاد البرلماني الدولي، التي عُقدت في تنزانيا خلال الفترة من 5 إلى 9 أكتوبر الجاري، فضلاً عن لقاءات مع رئيس مجلس العموم البريطاني ورئيس برلمان أمريكا اللاتينية.
وأوضح أن هذه التحركات تتكامل مع مخاطبة الأمم المتحدة والاتحادات والبرلمانات الإقليمية والدولية لدعوتها إلى إحياء ذكرى الضحايا سنوياً، ودعم حفظ الأدلة والوثائق ومساندة المسارات القانونية للمساءلة.
وشدد على أن «تسمية الجرائم وتوثيقها يمثلان جزءًا أساسيًا من مسار العدالة»، داعياً البرلمانات الوطنية والإقليمية والدولية إلى تحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى تحرك سياسي ومؤسسي ملموس.
الجامعة العربية تؤكد أن إعادة إعمار غزة يجب أن ترتبط بمسار سياسي ينهي الاحتلال
واختتمت الكلمات بالتأكيد على أن معالجة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة لا يمكن فصلها عن إيجاد تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية، تضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة.
وحذر نبيل فهمي من الاعتقاد بأن سياسات الاحتلال والاستيطان يمكن أن توفر أمناً دائماً، مؤكداً أن مثل هذه السياسات قد تفرض هدوءاً مؤقتاً أو استقراراً هشاً، لكنها لا تنشئ حقوقاً ولا تضمن سلاماً مستداماً.
ودعا إسرائيل إلى الاستفادة من دروس التاريخ والتعامل بجدية مع متطلبات تحقيق السلام، مشدداً على ضرورة أن يقود أي مسار سياسي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
وأكد أن قطاع غزة يجب أن يظل جزءاً أصيلاً من الدولة الفلسطينية المستقلة، فيما جدد اليماحي التأكيد على أن إنهاء الاحتلال يمثل المدخل الأساسي لمعالجة جذور المأساة الفلسطينية، وأن إحياء ذكرى الضحايا ينبغي أن يشكل منطلقاً لتحرك دولي جاد لحماية الحقوق وتحقيق العدالة.