تواجه أوروبا موجة احتجاجات متصاعدة تمتد من غرب القارة إلى جنوبها وشرقها ، وسط غضب شعبى متزايد بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات العامة ، إلى جانب الاعتراض على أوضاع التعليم والأجور والإنفاق العسكرى، وخلال الأيام الأخيرة خرج الاف الطلاب والعمال والنشطاء إلى الشوارع فى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا ، فى تحركات تعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من المواطنين والحكومات الأوروبية.
وتتجاوز أسباب هذه الاحتجاجات المطالب الفئوية المرتبطة بالتعليم أو السكن ، لتكشف عن ضغوط اقتصادية واجتماعية أوسع ، فى ظل ارتفاع أسعار الإيجارات وتراجع القدرة الشرائية ومخاوف بشأن مستقبل دولة الرفاه الإجتماعى ، وبينما اتخذت بعض التحركات شكل اعتصامات سلمية ومسيرات مطلبية ، شهدت مدن فرنسية وألبانية مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب وحرائق وعمليات نهب، ما وضع الحكومات أمام تحدي الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على الأمن العام.
فرنسا.. مواجهات وحرائق واعتقالات تهز المدن
تتصدر فرنسا مشهد الاحتجاجات الأوروبية، بعدما تحولت التحركات التي بدأت في سبتمبر الماضي بسبب تدهور أوضاع المدارس ونقص المدرسين وارتفاع كثافة الفصول إلى موجة غضب أوسع ضد غلاء المعيشة وتراجع الإنفاق العام.

فرنسا
وشهدت البلاد، السبت 17 أكتوبر، مظاهرات شارك فيها طلاب ونقابيون وأعضاء من حركة السترات الصفراء، التي ارتبط ظهورها سابقًا بالاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود. وامتدت التحركات إلى باريس وروان وروان ونيس وغيرها من المدن، وسط استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مجموعات من المحتجين.

حرييق بمنى بتاريخى فى فرنسا
ووفقًا للتقارير الواردة في التغطية الإعلامية للاحتجاجات، تجاوز عدد الموقوفين 1200 شخص، بينما سُجلت أعمال نهب ومحاولات اقتحام وإضرام حرائق في منشآت عامة وتجارية. وفي مدينة ليموج، التهمت النيران أجزاء كبيرة من مبنى البلدية التاريخي، فيما تعرض مكتب السياحة في ليون للحريق والتخريب، وسُجلت أعمال عنف في مرسيليا ومدن أخرى.
وتتهم الحكومة الفرنسية مجموعات من اليسار المتطرف بتأجيج أعمال العنف، بينما يرى جان لوك ميلانشون، زعيم حزب فرنسا الأبية اليساري، أن قرارات الحكومة وطريقة تعاملها مع الاحتجاجات أسهمتا في تصعيد الأزمة. كما شددت النقابات على ضرورة الاستجابة لمطالب زيادة الأجور والمعاشات وإعادة فرض ضريبة على الثروة، ودعت إلى مواصلة التحركات وصولًا إلى إضراب نقابي واسع مقرر في الخامس من نوفمبر.
وتكتسب التطورات الفرنسية أهمية سياسية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، وسط خلافات بشأن مسؤولية الحكومة عن الأزمة وحدود استخدام القوة في التعامل مع المتظاهرين.
شهدت مدينة ليموج فى فرنسا واحدة من أعنف أحداث الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد، بعدما التهم حريق ضخم مبنى البلدية التاريخي الذي يعود عمره إلى نحو 140 عامًا، ما أدى إلى انهيار البرج المدبب أعلى المبنى، وسط مواجهات بين المتظاهرين وقوات الشرطة احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة.
إيطاليا.. الطلاب يحتجون على الإنفاق العسكري وتراجع الخدمات
في إيطاليا، خرج آلاف الطلاب إلى الشوارع يوم 16 أكتوبر ضمن تحركات حملت اسم «يوم لا لميلوني»، في إشارة إلى رفض سياسات حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

ايطاليا
ورفع المحتجون مطالب تتعلق بتحسين أوضاع المدارس والجامعات، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، والاعتراض على القيود المفروضة على الطلاب الأجانب. كما حملوا شعارات تطالب بتوجيه الأموال إلى التعليم بدلًا من الإنفاق العسكري، في ظل الجدل الأوروبي بشأن زيادة ميزانيات الدفاع والتزامات الدول في مواجهة التحديات الأمنية.
وامتدت الانتقادات إلى الأجور المنخفضة والضغوط التي تواجه الشباب في الحصول على فرص عمل مستقرة، بينما دعت تحركات نقابية إلى الإضراب العام احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ودافعت ميلوني عن حق المواطنين في التظاهر، لكنها أدانت أعمال العنف التي صاحبت بعض التحركات. ويعكس هذا المشهد صعوبة الموازنة بين المطالب الاجتماعية والإنفاق على الأولويات الأمنية والعسكرية، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجه الموازنات الأوروبية.
واندلعت اشتباكات عنيفة بين متظاهرين وقوات الشرطة في مدينتي ميلانو وبولونيا، بالتزامن مع تجمع عشرات الآلاف في العاصمة روما للمطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، وسط تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وانتشار الوظائف غير المستقرة.
إسبانيا.. أزمة السكن تشعل الغضب من مدريد إلى برشلونة
في إسبانيا، تركز جانب كبير من الاحتجاجات على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، بعدما أثارت واقعة إخلاء مسنة تبلغ 87 عامًا، تُدعى ماريكارمن أباسكال، من منزلها في مدريد، موجة غضب واسعة تحت شعار لا لمزيد من ماريكارمن.
وامتدت التحركات إلى برشلونة وفالنسيا وإشبيلية ولا كورونيا، وسط مطالب بحماية المستأجرين ومنع عمليات الإخلاء التي يرى المحتجون أنها تزيد هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا، خصوصًا كبار السن وأصحاب الدخول المحدودة.
وبعد وفاة المسنة، أعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن حكومته تعمل على إعداد مرسوم يتعلق بالسكن، في وقت أصبحت فيه أزمة الإيجارات وتكاليف الحصول على منزل من أبرز الملفات الاجتماعية المثيرة للجدل في البلاد.
وتأتي هذه التحركات وسط استمرار الاحتجاجات المرتبطة بالسكن لأسابيع، ومع تصاعد النقاش بشأن قدرة السياسات الحكومية على توفير مساكن بأسعار مناسبة، لا سيما للشباب والعائلات التي تلتهم الإيجارات جزءًا متزايدًا من دخلها.
البرتغال.. الإيجارات تقفز 124% خلال تسع سنوات
انتقلت احتجاجات السكن إلى البرتغال، حيث نصب مئات الشباب والمشاركين عشرات الخيام في ساحة روسيو وسط العاصمة لشبونة، السبت 17 أكتوبر، للمطالبة بتوفير مساكن بأسعار معقولة واتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة ارتفاع الإيجارات.
وجاء الاعتصام عقب مسيرة شارك فيها آلاف الأشخاص في أنحاء البلاد، فيما تجمع مئات المحتجين في قلب لشبونة، وأعلن عدد منهم نيتهم البقاء طوال الليل، في تحرك استلهم جانبًا من الاحتجاجات الشبابية التي شهدتها إسبانيا ومدن برتغالية أخرى، بينها بورتو.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم الأزمة؛ إذ ارتفعت أسعار المساكن في البرتغال بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، أي بمعدل يقارب ضعف الزيادة المسجلة في أوروبا خلال الفترة نفسها. وتتركز آثار الأزمة بصورة خاصة على الشباب وسكان لشبونة، التي تضم نحو ربع سكان البلاد البالغ عددهم أكثر من 11 مليون نسمة.
ورفع المحتجون شعارات تندد بجشع الملاك وارتفاع تكاليف الحياة، معتبرين أن الأسر العاملة التي تدفع الضرائب وتسهم في الاقتصاد أصبحت تواجه صعوبة متزايدة في الحصول على مسكن مناسب.
وانتقد مشاركون ما وصفوه بتحرير سوق الإيجارات بصورة مفرطة، معتبرين أن الحماية الممنوحة لأصحاب العقارات لا يقابلها دعم كافٍ للمستأجرين. وفي المقابل، قال رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو إن حكومته تتفهم رغبة المواطنين في الحصول على إجابات، لكنه حذر من استيراد أجواء عدم الاستقرار السياسي والاحتجاجات العنيفة إلى البلاد.
بلجيكا.. رفض تقليص الإنفاق على التعليم والصحة
في بلجيكا، تظاهر طلاب في بروكسل ومنطقة والونيا احتجاجًا على خطط الحكومة برئاسة بارت دي ويفر لإجراء تخفيضات في قطاعات التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية.
وتتركز الاعتراضات على الإجراءات التي قد تؤثر في المزايا المخصصة للوجبات المدرسية والمواد التعليمية والنقل، إلى جانب المخاوف من زيادة الرسوم الدراسية وتقليص الدعم المقدم للفئات التي تعتمد على الخدمات العامة.
وتعكس هذه التحركات قلقًا من أن تتحمل الأسر والطلاب والشرائح الأقل دخلًا جانبًا كبيرًا من تكلفة إجراءات ضبط الإنفاق العام، في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطًا مالية متزايدة وتطالب بتوفير موارد إضافية للأمن والدفاع.
ألبانيا.. مطالب طلابية تتحول إلى مواجهة مع الحكومة
وفي ألبانيا، تصاعدت الاحتجاجات ضد حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية ارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية وضعف الدعم الاقتصادي المقدم للطلاب.
وشهدت العاصمة تيرانا تجمعات طلابية واسعة، تخللتها مواجهات مع الشرطة وحريق في مبنى وزارة التعليم، وفقًا للتقارير الواردة عن التحركات. ولم تعد المطالب مقتصرة على تكاليف التعليم، بل اتسعت لتشمل انتقادات للحكومة ومطالب سياسية، بينها الدعوة إلى استقالة رئيس الوزراء.
وتبرز الحالة الألبانية كيف يمكن للمشكلات المرتبطة بفرص التعليم وتكاليفه أن تتحول إلى أزمة سياسية أوسع، عندما تتداخل مع الشعور بالتهميش وضعف الاستجابة الحكومية.
هل تواجه أوروبا أزمة اجتماعية عابرة أم تحولًا أعمق؟
على الرغم من اختلاف الظروف المحلية بين الدول الست، تتقاطع الاحتجاجات في عدة نقاط رئيسية، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على سكن، وتراجع القدرة على تحمل نفقات التعليم، والمخاوف من تقليص الخدمات العامة.
لكن اختلاف المطالب مهم أيضًا؛ فبينما تركز التحركات الإسبانية والبرتغالية على أزمة السكن، تتصدر أوضاع المدارس والإنفاق الاجتماعي الاحتجاجات الفرنسية والبلجيكية، فيما يبرز الإنفاق العسكري في المظاهرات الإيطالية، وتتداخل المطالب التعليمية مع المطالب السياسية في ألبانيا.
وتواجه الحكومات الأوروبية معادلة صعبة: الاستجابة لمطالب المواطنين في تحسين الأجور والخدمات والسكن، مع الحفاظ على التوازنات المالية وتلبية متطلبات الأمن والدفاع. كما أن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف يفتح بابًا إضافيًا للخلاف بشأن مسؤولية الحكومات والمتظاهرين عن التصعيد.
وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط الاجتماعية باتت ملفًا أوروبيًا عابرًا للحدود، لكن لا يمكن اعتبارها حتى الآن حركة موحدة أو دليلًا قاطعًا على انهيار سياسي شامل. فلكل دولة سياقها الخاص، فيما يبقى الاختبار الأساسي أمام الحكومات هو قدرتها على تقديم حلول ملموسة لأزمات تمس الحياة اليومية للمواطنين، قبل أن تتسع الفجوة بين الوعود الرسمية والغضب في الشارع.