قبل عام 2007، كانت الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانج غير معروفة نسبياً لدى الجمهور الناطق بالإنجليزية وقد حظيت بإشادة واسعة عند نشرها رواية "النباتية" (The Vegetarian) التي استكشفت النظام الأبوي والصراع من أجل تقرير المصير، وذلك من خلال قصة عائلة عارضت قرار إحدى النساء بالتوقف عن تناول اللحوم.
وفي السنوات اللاحقة، اتسعت أعمالها الأدبية وتطور نطاق سردها القصصي، لينتقل من المستوى الفردي إلى المستوى المجتمعي ففي رواية "دروس في اللغة اليونانية" (Greek Lessons - 2011)، غاصت في موضوعي العزلة والحميمية عبر الرابطة التي نشأت بين امرأة فقدت صوتها ورجل يفقد بصره، وفي "الكتاب الأبيض" (The White Book - 2016)، قدمت تأملاً مؤثراً حول الفقد والحزن.
أما في روايتي "أفعال بشرية" (Human Acts - 2014) و"لا نفترق" (We Do Not Part - 2021)، فقد سردت حكايات مؤثرة ومؤلمة عن الصدمات المتوارثة عبر الأجيال والمجازر العسكرية؛ وعن شعب خلّفت أحداث ماضيه ندوباً عميقة لدرجة أنه "لفترة طويلة، كان الحديث عنها علناً من المحرمات في المجتمع الكوري"، ولعل حصولها على جائزة نوبل في الأدب لعام 2024 كان، إلى حد ما، بفضل هذه الرؤية الأدبية التي تزداد اتساعاً وعمقاً.
وقد اجرت معها مجلة فوج حوارا حول أعمالها الأدبية وكذلك عملها الضوء والخيط وإلى نص الحوار:
في كتاب "الضوء والخيط" (Light and Thread)، تذكرين أنكِ -رغم استمراركِ في كتابة الشعر- تشعرين بجاذبية خاصة تجاه الروايات. ما السبب في ذلك؟
أكتب الشعر أحياناً حين يواتيني الإلهام، لكن الروايات تتطلب مني سنوات من العمل؛ سنوات أحمل فيها الأسئلة وأتخبط في طريقي، مواصلةً المسير بقوة الإرادة المحضة.
يتناول مقال "بعد النشر" (After Publication) مشاعر المعاناة والنشوة المصاحبة للعملية الإبداعية الأدبية. ما هي أكثر جوانب هذه العملية صعوبة وإثارة بالنسبة لكِ؟
أثناء كتابة ذلك المقال، تمكنتُ من تأمل عمليتي الإبداعية بعمق، وكذلك ما أمرُّ به بعد الانتهاء من كتابة رواية ما. فأنا دائماً ما أكون شخصاً مختلفاً قبل كتابة الرواية وبعدها؛ ولحسن الحظ، أشعر أنني أصبح إنسانة أفضل بعد الانتهاء منها مقارنة بما كنتُ عليه من قبل.
عندما أكتب، أشعر وكأنني في رحلة سير على الأقدام؛ فكثيراً ما أضل طريقي، لكنني أحاول التمسك بالكتابة بقوة والمضي قدماً، بالطبع، ثمة صعوبات، ولكن هناك أيضاً لحظات من البهجة حين أعثر فجأة على مساري الصحيح. أشعر أن الكتابة هي حصيلة كل تلك التجارب مجتمعة.
في ثنايا الكتاب -وربما يبرز ذلك بوضوح أكبر في مقال "فنجان الشاي الصغير" (Small Teacup)- تتأملين الجوانب اليومية البسيطة للحياة التي تشكل جزءاً من الروتين الإبداعي، كيف يبدو روتينكِ الخاص؟
بصراحة، لا يمكنني الالتزام بمثل هذا الروتين المكثف إلا عندما أكون في خضم عملية الكتابة؛ ففي تلك الفترة، أعود إلى مكتبي مراراً وتكراراً كلما أتيحت لي الفرصة، أما في الأوقات التي لا أكتب فيها، فأنا أعيش حياة أكثر تحرراً وعفوية، دون أي روتين محدد، وفي الواقع، عندما أنظر إلى حياتي، أجد أنني قضيتُ معظم وقتي بتلك الطريقة العفوية.
ما هي العلاقة بين البستنة والكتابة؟
عندما كنت أُعِدُّ هذا الكتاب، تمنيت أن يغمر الضوءُ الكتابَ بأكمله؛ لذا اخترتُ مقتطفات من يومياتي حول العناية بحديقتي. حديقتي صغيرة للغاية ولا يصلها قدر كافٍ من ضوء الشمس لأنها تقع في الجهة الشمالية. ولتوفير الضوء للنباتات، أضع مرايا على الأرض وأُحرِّكها لتتبع مسار الشمس القوسي. كنت آمل أن تعكس هذه الصورةُ الضوءَ الموجود في كتابي "الضوء والخيط" (Light and Thread).
في خطابك عند تسلُّم جائزة نوبل، طرحتِ سؤالاً: "إلى أي مدى يمكننا رفض العنف؟". في ظل ما يشهده العالم اليوم من عنف، هل تعتقدين أن رفضه أمرٌ ممكن؟
يُدهشني دائماً أنه حتى في المواقف التي تبدو بلا أمل، هناك أشخاص يحاولون الوقوف في وجه العنف. لا أريد أن أنسى أن البشر يمتلكون تلك القوة في داخلهم.
ما هو الأمر الذي تودين رؤيته يتحقق في العالم لإنهاء دوائر العنف؟
في روايتي الأحدث "نحن لا نفترق" (We Do Not Part)، هناك شخصيات عقدت العزم على عدم التوديع فبدلاً من ذلك الوداع المستحيل، يختارون البقاء في حالة حدادٍ متشبثٍ بالذكرى؛ إذ يشعلون الشموع وسط ظلام الليل الدامس، ما زلتُ آمل أن أؤمن بذلك الضوء الخافت المتقطع الذي نحمله في داخلنا، وأن أمضي قدماً متمسكةً به بإصرار وأمل.
تتناول رواية "نحن لا نفترق" مذبحة "جيجو" التي وقعت عام 1948،من أين استلهمتِ أفكار هذا الكتاب؟
بعد نشر رواية "أفعال بشرية" (Human Acts) -التي تتناول مذبحة مماثلة وقعت عام 1980- راودني حلم. كنت أمشي عبر حقلٍ تغطيه الثلوج وتملؤه أشجارٌ سوداء بُتِرت قممها. كانت هناك عشرات الآلاف من القبور التي اتُخِذت تلك الأشجار شواهدَ لها. وفجأة، تدفقت مياه البحر من الجانب الآخر للحقل وارتفعت لتصل إلى كاحليّ. لم أكن أعرف كيف أنقل العظام الموجودة في القبور إلى مكان آمن، فركضتُ وسط المياه ثم استيقظت. وتُشكِّل وقائع ذلك الحلم الصفحتين الأوليين من رواية "نحن لا نفترق"؛ أما بقية الرواية فقد كتبتها وأنا أتحسس طريقي بحثاً عما سيلي تلك الصفحات.