سيد درويش.. صوت لم يحتج عقودا ليصنع مجده ولا عمرا طويلا ليرسخ بصمته، انطلق من أزقة الإسكندرية ليتسلل إلى أفئدة المصريين، تحول على يديه اللحن من مجرد نغم عابر إلى صوت يجسد أحلام الناس ويدون أوجاعهم، وينطق باسم وطن كان يتلمس طريقه نحو الحرية.
لم يكمل الشيخ سيد درويش عامه الحادي والثلاثين حين غيبه الموت في ريعان شبابه في الخامس عشر من سبتمبر 1923، لكنه رحل بعدما أورثنا ما عجز غيره عن تحقيقه في أزمان طوال.. تراثاً موسيقياً متجدداً، ألحاناً عابرة للزمن وصوتا استقر في عمق الذاكرة الوطنية المصرية.
من كوم الدكة بدأت الحكاية
في حي كوم الدكة بالإسكندرية بدأت رحلة "فنان الشعب"، هناك تفتحت موهبته واكتشف مبكرا أن الموسيقى ليست ترفا للنخبة ولا فنا معزولا عن الشارع وإنما لغة قادرة على الوصول إلى الجميع والتعبير عن تفاصيل حياتهم، ومن الإسكندرية انطلقت رحلته التي سرعان ما تجاوزت حدود المدينة ليصبح واحدا من أبرز الأسماء التي غيرت شكل الموسيقى المصرية في بدايات القرن العشرين.
انطلقت مسيرة سيد درويش الغنائية من قلب حي "كوم الدكة" بالإسكندرية في سن مبكرة، حيث كان شغوفًا بمتابعة والاستماع إلى كبار قراء ومنشدي عصره كالشيخ أحمد ندا والشيخ إبراهيم الأزهري خلال حفلاتهما بالإسكندرية، وتجلى هذا الشغف مبكرًا وفقًا لما ذكره حفيده الدكتور حسن درويش، في تصريحات تلفزيونية، أن الطفل سيد كان يقف فوق "سَبَتًا" بالقرب من مقام "سيدي حذيفة بن اليمان" ليشدو لأترابه وصبيان الحي، لتشكل تلك الوقفات البسيطة أولى خطوات شهرته بين أقرانه وميلاد استثنائيًا لفنان الشعب، مشيرا إلى أنه اتجه إلى المعهد الإيطالي ليتعلم أصول الموسيقى والنوتة الموسيقية، بينما كانت والدته حريصة على أن يتقن حفظ القرآن الكريم والسيرة النبوية.
وأوضح درويش الحفيد، أن جده عندما بلغ الثالثة عشرة من عمره، التحق بالمعهد الأزهري في سيدي أبي العباس وانتظم في الدراسة ونجح في السنة الأول لينتقل إلى السنة الثانية، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها أسرته أجبرته على امتهان عدد من الحرف، فقد عمل في مهنة البناء، كما عمل في محل للأثاث والموبيليا لدى أحد أقاربه، وربما منحته هذه المهن المتعددة إحساسًا عميقًا بطبقات الناس المختلفة، وبحياة العمال وأصحاب الحرف الذين أصبحوا فيما بعد من أبرز موضوعات فنه.
وخلال سنوات قليلة، أحدث سيد درويش ما يشبه الثورة في عالم الموسيقى، فلم تعد الأغنية حبيسة الصالونات ومجالس الطبقة الأرستقراطية، بل خرجت إلى الأزقة والحواري والشوارع، واقتربت من الناس، وحملت أصواتهم ومشكلاتهم وطموحاتهم.
ألحانه مرآة لواقع المجتمع
كانت ألحان سيد درويش، مرآة لواقع المجتمع وصدى للحظة السياسية والاجتماعية التي عاشتها مصر، حتى تحولت أعماله إلى جزء لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية وأصبح اسمه مرتبطًا بمرحلة فارقة في تاريخ مصر الحديث.
وما بين الإسكندرية والقاهرة، شق الشيخ سيد درويش طريقه نحو الخلود، تاركًا أثرًا تجاوز حدود التلحين التقليدي، وأسهم في إعادة تشكيل ملامح الموسيقى الشرقية، وفتح الباب أمام التجديد والحداثة.
مدرسة فنية تجاوزت حدود التلحين
لم يكن سيد درويش مجرد ملحن عابر في تاريخ الموسيقى العربية وإنما كان صاحب مدرسة فنية وفكرية متكاملة وصاحب تجربة استثنائية تركت بصمتها العميقة في الوجدان المصري والعربي، فقد أدرك في وقت مبكر أن الفن يمكن أن يتجاوز حدود الترفيه وأن اللحن ربما يتحول إلى وثيقة حية تختزل ملامح عصر بأكمله، كما أن صوت الفنان قادر على أن يصبح جزءًا أصيلًا من وعي الوطن وذاكرته.
وأكد هذه الرؤية الموسيقار القدير الراحل محمد حسن الشجاعي، المستشار الموسيقي الأسبق للإذاعة المصرية، وأحد الذين عاصروا فنان الشعب الشيخ سيد درويش وتعاونوا معه فنيًا، وجاءت شهادة الشجاعي خلال لقائه بالإعلامي الراحل أحمد شفيق أبو عوف، ضمن ندوة فنية ببرنامج "مع الموسيقى العربية" بثها التلفزيون المصري في ستينيات القرن الماضي، تناولت سيرة ومسيرة فنان الشعب وتجربته الفنية ودوره المحوري في تطوير الموسيقى المسرحية والارتقاء بمستوى اللحن العربي.
وأشار الشجاعي إلى أن عبقرية سيد درويش لم تكمن في تعقيد ألحانه وإنما في بساطتها وقدرتها الاستثنائية على التعبير، موضحًا أن موسيقاه المسرحية تميزت بالحركة اللحنية والتعبير الدقيق، إذ لم يكن درويش يبحث عن الطرب من أجل الطرب بقدر ما كان يسعى إلى تقديم تصوير موسيقي صادق للموقف المسرحي والشخصية الدرامية.
وأوضح الشجاعي، أن الموسيقى قبل عصر سيد درويش كانت تعتمد في جانب كبير منها على ألحان التخت والجمل الموسيقية الطويلة والبطيئة التي كانت تستهدف إبراز مهارات المطرب في التطريب، لكن درويش جاء برؤية مختلفة فابتكر جملًا موسيقية رشيقة وحيوية تنسجم مع الدراما وتخدم الحدث المسرحي، وهو ما منح ألحانه قدرا كبيرا من الحيوية والصدق والقدرة على التعبير.
ويرى الشجاعي أن كبار الملحنين الذين جاؤوا بعد سيد درويش، ومن بينهم زكريا أحمد وأحمد صدقي، نهلوا من هذه المدرسة وتأثروا بأسلوبه في محاكاة الواقع وتطوير المسرح الغنائي مع احتفاظ كل منهم بخصوصيته الفنية وشخصيته الموسيقية المستقلة.
موسيقى وُلدت في زمن صعب
وفي مقارنة تاريخية لافتة، استعرض الشجاعي واقع الموسيقى والفنان المصري في بدايات القرن العشرين، كاشفًا عن حجم المعاناة التي كان يواجهها أهل الفن آنذاك، مشيرا إلى أنه في بداياته كان واحدًا من أربعة مصريين فقط ضمن أوركسترا تضم نحو 350 عازفًا أجنبيًا، مضيفًا بمرارة: "حتى سيد درويش نفسه كانت تمر عليه أيام يبحث فيها عن لقمة العيش، لم تكن هناك معاهد موسيقية ولا إذاعة ولا سينما ترعى الفن، كان عهدًا ابتدائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
وعلى الرغم من قسوة تلك الظروف وافتقار الحياة الفنية إلى المؤسسات التي ترعى المبدعين، استطاع سيد درويش أن يطلق شرارة نهضة موسيقية وفنية حقيقية وأن يمهد الطريق لنشأة المعاهد والمدارس الموسيقية الحديثة، التي أصبحت لاحقًا ركيزة أساسية في تطور الحياة الموسيقية والفنية في مصر.
اكتشاف موهبة درويش والسفر إلى الشام
عمل سيد درويش في مهنة البناء، ولاحظ المقاول الذي كان يعمل لديه أن إنتاجية العمال تزداد عندما يغني سيد أثناء العمل، لذلك طلب منه أن يتفرغ للغناء للعمال على أن يحصل على الأجر نفسه الذي كان يتقاضاه في عمله، وفي تلك الفترة كان يجلس في مقهى قريب من مكان العمل أمين وسليم عطا الله، صاحبا إحدى الفرق المسرحية المعروفة آنذاك، سمعا سيد درويش يغني فعرضا عليه السفر مع فرقتهما إلى الشام وكان ذلك في نهاية عام 1908، وبالفعل سافر معهما لكنه عاد بعد تسعة أشهر بعدما لم تحقق الرحلة النجاح المالي المنتظر.
وفي عام 1912 عاد أمين وسليم عطا الله ليعرضا عليه السفر مرة أخرى، فسافر معهما في رحلة امتدت من عام 1912 حتى عام 1914، وهناك تعرف إلى ألوان مختلفة من الموسيقى واستفاد من بعض الفنون الشامية ومن بينها القدود الحلبية.
القاهرة وبداية التحول الكبير
وكشف الحفيد أنه بعد عودته من الشام عام 1914 اتخذ سيد درويش قرارًا غيّر مسيرته؛ إذ شد الرحال إلى القاهرة ليبدأ رحلته من منطقة الأزبكية وشارع عماد الدين، قلب الحياة الفنية المصرية في ذلك الوقت، وكانت المنافسة شديدة بين الفرق المسرحية الكبرى، ومنها فرق نجيب الريحاني وعلي الكسار وأولاد عكاشة وغيرهم، ومن خلال المسرح الغنائي وجد سيد درويش المجال الأوسع لتفجير موهبته، وشهدت هذه الفترة إنتاجًا غزيرًا له، إذ قدم عددًا كبيرًا من الألحان والأعمال المسرحية.
الغناء المصري من التطريب إلى التعبير
يُعد سيد درويش الرائد الأول في تحويل المسار الغنائي المصري من التطريب التقليدي القائم على الزخارف الصوتية إلى التعبير الصادق عن جوهر النص وروحه، واعتمد في تجديده على استلهام الألحان الشعبية المحفورة في الوعي الجمعي للمصريين ليُعيد صياغتها داخل أعماله المسرحية في قالب فني حديث، فاستمد ألحانه من إيقاع الشارع ونبض البيوت ما جعلها قريبة من قلوب الناس، ولم يكتفِ بكونه أستاذًا في أشكال "الدور والطقطوقة" بل أصبح صانعًا لمدرسة مسرحية وتعبيرية غيرت وجه الموسيقى العربية، وقد شهدت الموسيقى المصرية في عصر الخديوي إسماعيل استقرارًا عند أشكال لحنية متوازنة وهادئة، حتى جاء سيد درويش ليعيد تشكيل هذا البناء برؤية ثورية مقتحمًا الساحة بألحان تفيض بالحركة والديناميكية والتعبير الدرامي، ويعد لحن "الشيطان" كشاهد جليّ على تلك الطفرة حيث اعتبره نقاد وموسيقيو عصره من أسرع الإيقاعات اللحنية في تاريخ الموسيقى العربية، مُمثلاً قفزة نوعية وحضارية في تقنيات الصياغة والبناء الموسيقي.
ورغم نشأة سيد درويش البسيطة وجذوره الشعبية، تجلى فنان الشعب كأحد أبرز رموز التنوير الذين استنهضوا الروح المصرية، إذ سخر ألحانه لمواجهة الآفات الاجتماعية والدعوة إلى النهضة والتقدم والاحتفاء بالصناعة الوطنية والإنسان المصري، وقد كان التقاؤه مع بديع خيري امتدادًا طبيعيًا لهذا الفكر، حيث تلاقت رؤاهما في حِس وطني واجتماعي مشترك لمس وجدان الطبقات الشعبية والنخبة الثقافية على حد سواء.
الدفاع عن المرأة والمطالبة بالحرية والمساواة
لم تنفصل قضية تحرير المرأة عن فكر سيد درويش، إذ افرد لها مساحة واسعة في أعماله منافحًا عن حقها في المشاركة الفاعلة والتواجد بالساحة العامة، وجاءت ألحانه محملة برسائل تنويرية تحض على العمل والحرية والمساواة معرية العادات الموروثة والنظرة الضيقة التي كبلت حريتها وعطلت دورها في المجتمع.
التقاء الموسيقى المصرية بالعالم
انخرط سيد درويش في قلب الحراك الثقافي والفني بالقاهرة فكان يجالس قامات فكرية وفنية مثل توفيق الحكيم وحسين فوزي، ويواظب على حضور العروض العالمية بدار الأوبرا المصرية، ولم يكن درويش مستمعا عاديا للأوركسترا بل استوعب تقنيات التأليف والتوزيع الغربي الحديث وطوعها لخدمة الموسيقى الوطنية، وهو ما أنشأ لديه شغفا عارما بالسفر إلى إيطاليا لتعميق دراسته أكاديميا، وعندما طرح عليه الاقتصادي طلعت حرب تلحين أوبرا "شمشون ودليلة" اشترط درويش الحصول على ألف جنيه كمنحة سفر لإيطاليا ليتعمق في هذا الفن ويصيغ أوبرا مصرية خالصة، غير أن طلعت حرب استكثر المبلغ ورفض طلبه، ليعهد بالمشروع إلى الفنان داود حسني مقابل سبعين جنيهًا فقط.
سيد درويش أبو الوطنية
شكلت ألحان سيد درويش سلاحًا ضاربًا في عمق النضال الوطني، إذ تحايل على قمع السلطات البريطانية لترديد اسم الزعيم سعد زغلول أثناء نفيه عبر أغلُوفة رمزية ذكية في أغنية "بلح زغلول"، ليبدو اللحن متغنيًا ببائع البلح الظاهري: "يا بلح زغلول يا حليوة يا بلح"، بينما ينبض في جوهره بالرمز السياسي، وبهذا أخرج الغناء الشعبي من إطاره العادي ليغدو رمزا للمقاومة وحاضرا في الوعي الشارع رغما عن المحتل.
ولم تقف ريادة سيد درويش عند هذا الحد بل صاغ النشيد الوطني الخالد للجمهورية المصرية "بلادي بلادي"، متأثرًا بكلمات الزعيم مصطفى كامل، ليعيد نسجها لحنًا وكلمات أصبحت الأيقونة الوطنية الأولى: "بلادي بلادي.. لكِ حبي وفؤادي"، وهي التحفة التي تجاوزت عقودًا من الزمن لتعود إليها مصر وتعتمدها نشيدًا رسميًا للبلاد.
روايات متباينة حول وفاة فنان الشعب
مع انقضاء عهد النفي وعودة سعد زغلول منتصرًا إلى أرض الوطن، غيَب الموت سيد درويش بشكل مفاجئ، لتطوق رحيله الغامض روايات متعددة وتساؤلات لم تُحسم حتى اليوم، وكانت أكثر تلك الشائعات انتشارًا تذهب إلى أنه توفي جراء جرعة زائدة من الكوكايين، وهو ما نفاه حفيده الدكتور حسن درويش قاطعًا؛ مستدلاً بخطاب بخط يد الفنان الراحل أرسله لصديقه حسن القصبجي، يعلن فيه إقلاعه التام عن السهر والتصرفات الضارة، ويدعوه للابتعاد عن تلك الممارسات حفاظًا على صحته.
في المقابل، ترجح رواية أخرى سيناريو الاغتيال الممنهج بسبب نشاطه التنويري والمناهض للاحتلال والسلطة، حيث تشير هذه النظرية إلى أنه عُزل في مكان ما ودُس له سم بطيء المفعول طال أثره حتى فاضت روحه وهو يضع الترتيبات النهائية لملحمة استقبال سعد زغلول، وقد تزايدت الشكوك حول ملابسات رحيله مما دفع أسرته للمطالبة الرسمية بتشريح الجثمان لبيان السبب الحقيقي، غير أن الجهات السلطوية آنذاك قوبلت الطلب بالرفض وأغلقت الملف.
رحيل فنان الشعب.. وبقاء الأثر
جاء رحيل سيد درويش المبكر ليسدل الستار على مسيرة فنية استثنائية، إذ خلف وراءه عشرات المسرحيات والألحان الخالدة التي صاغت ريادة الموسيقى المصرية إلى جانب مقتنياته وصوره الشاهدة على رحلته، ومنزلين ارتبطا بحياته في كوم الدكة بالإسكندرية وشبرا بالقاهرة.
ترجل فنان الشعب عن مسرح الحياة قبل أن يكمل عامه الواحد والثلاثين، غير أن عمره القصير كان كافيا لإحداث نقطة تحول جذرية في تاريخ الموسيقى العربية، فنقل النغم من معازف القصور إلى قلب الشوارع وارتفع باللحن من نطاق التطريب المجرد إلى فضاء التعبير الحي، مخرجًا الفن من عزلته ليكون نبضًا للإنسان والوطن والمجتمع.
وبعد مرور أكثر من قرن على رحيله، يظل سيد درويش حاضرًا في الذاكرة القومية، لا كملحن عبقري فحسب.. بل كصوت اختزل مرحلة تاريخية بأكملها، وفنان استطاع أن يجعل من الموسيقى لغة شعبية جامعة ومن الأغنية جزءًا أصيلاً من الوعي والوجدان المصري.