محمد الطماوى

مصر والبريكس.. رؤية استراتيجية تتجاوز العضوية

الإثنين، 14 سبتمبر 2026 01:56 ص


لم تعد عضوية مصر فى تجمع بريكس مجرد إضافة إلى قائمة التكتلات والمنظمات التى تشارك فيها القاهرة، وإنما أصبحت جزءًا من رؤية أوسع لإعادة صياغة موقع مصر فى النظام الدولى، وتنويع دوائر الحركة الاقتصادية والسياسية، وتعزيز القدرة على التعامل مع عالم يشهد انتقالًا متسارعًا نحو تعددية أكبر فى مراكز القوة.


ومن هذا المنظور، فإن أهمية بريكس بالنسبة لمصر لا ترتبط فقط بما يمثله التجمع من ثقل اقتصادى متزايد، وإنما بما يوفره من مساحة جديدة للحركة أمام الدول النامية والاقتصادات الناشئة فى مرحلة تتغير فيها قواعد التجارة الدولية، وتتعاظم فيها أهمية الطاقة والغذاء والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والتمويل، وتتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة مع الحسابات الجيوسياسية والأمنية.


اكتسبت قمة بريكس فى نيودلهى أهمية خاصة لأنها تأتى فى مرحلة تجاوز فيها التجمع صورته التقليدية التى ارتبطت بمجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وأصبح أكثر اتساعًا من الناحية الجغرافية والسياسية والاقتصادية. فالتوسع أضاف إلى التجمع دولًا عربية وإفريقية وآسيوية، ومن بينها مصر، بما منح بريكس امتدادًا واسعًا يمتد من آسيا إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.


والأهم أن هذا التوسع لا ينبغى النظر إليه باعتباره مجرد زيادة عددية فى عضوية التجمع، وإنما باعتباره تحولًا فى طبيعته ودوره المحتمل، إذ أصبح يضم دولًا تمتلك مصادر ضخمة للطاقة والموارد الطبيعية، واقتصادات صناعية وتكنولوجية كبرى، وأسواقًا استهلاكية واسعة، وممرات تجارية ذات أهمية استراتيجية. ومن ثم، فإن التحدى الحقيقى أمام بريكس لم يعد فى قدرته على النمو العددى، وإنما فى قدرته على تحويل هذا التنوع الهائل إلى قوة اقتصادية وسياسية مؤثرة، وإلى منصة قادرة على صياغة بعض ملامح النظام الدولى وليس فقط التكيف معه.


وفى هذا السياق، تأتى مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى لتؤكد أن مصر تنظر إلى بريكس باعتباره خيارًا استراتيجيًا طويل المدى، وليس مجرد مساحة للمشاركة الدبلوماسية أو مناسبة لعقد اللقاءات الثنائية، فالحضور الرئاسى يعكس إدراكا واضحًا بأن التحولات الجارية فى النظام الدولى تتطلب وجود مصر داخل المنصات التى تتشكل فيها الرؤى الجديدة للاقتصاد العالمى والحوكمة الدولية، كما أن اللقاءات التى عقدها الرئيس مع قادة الدول والمنظمات الدولية تمثل فرصة لتوسيع دائرة المصالح المصرية، وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار والتمويل، والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. والأهم من ذلك أن المشاركة المصرية تعكس رغبة القاهرة فى أن تكون طرفًا فاعلًا فى صياغة الأجندة وليس مجرد متلقٍ لمخرجاتها.


وتقوم الرؤية المصرية فى هذا الإطار على مفهوم بالغ الأهمية، وهو أن الانضمام إلى بريكس لا يعنى الانحياز إلى محور دولى فى مواجهة محور آخر، ولا يعنى أن مصر تنظر إلى التجمع باعتباره تحالفا موجها ضد الولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما تنظر إليه باعتباره إحدى الأدوات التى تمكنها من تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وزيادة هامش الحركة فى السياسة الخارجية، وتعزيز قدرة الدولة المصرية على التعامل مع نظام دولى متعدد المراكز. وهذه الرؤية تتسق مع طبيعة بريكس ذاته باعتباره منصة للتنسيق بين دول الجنوب العالمى، وليست تحالفًا سياسيًا أو عسكريًا مغلقًا. ولذلك فإن عضوية مصر فى بريكس لا تتناقض مع علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والمؤسسات المالية الدولية، وإنما تمنحها خيارات إضافية وتقلل من مخاطر الاعتماد المفرط على شريك أو سوق أو مصدر تمويل واحد.


وتزداد أهمية الدور المصرى داخل بريكس عندما ننظر إلى الجغرافيا المصرية باعتبارها أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية التى يمكن أن تضيفها القاهرة إلى التجمع. فمصر لا تمثل فقط دولة عربية أو إفريقية، وإنما تقع عند نقطة التقاء العالم العربى بالقارة الإفريقية والفضاء المتوسطى، كما تتحكم فى أحد أهم الممرات التجارية فى العالم من خلال قناة السويس. وهذا الموقع يمنحها قدرة استثنائية على الربط بين أسواق آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، ويجعلها مرشحة لأن تكون حلقة وصل مهمة بين اقتصادات بريكس والأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية لمصر داخل بريكس لا تنحصر فى حجم السوق المصرية، وإنما تمتد إلى قدرتها على توفير منصة لوجستية وإنتاجية وتجارية يمكن من خلالها النفاذ إلى أسواق أوسع.


ومن هنا ينبغى أن تتعامل مصر مع عضويتها فى بريكس باعتبارها فرصة لإعادة تعريف موقعها داخل سلاسل القيمة العالمية، فالمطلوب ليس فقط زيادة الواردات المصرية من دول بريكس أو جذب الاستثمارات منها، وإنما تحويل مصر إلى قاعدة للتصنيع المشترك وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعات المرتبطة بالممرات التجارية، ويمكن للمناطق الاقتصادية والموانئ المصرية وقناة السويس أن تلعب دورًا رئيسيًا فى هذه المعادلة، خصوصًا فى ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وسعى الشركات والدول إلى تنويع مراكز الإنتاج والتوزيع وتقليل مخاطر الاعتماد على مسارات محددة.


ومن المنظور الاقتصادى، فإن الفرصة الأهم أمام مصر تتمثل فى الانتقال من مفهوم التبادل التجارى إلى مفهوم التكامل الاقتصادى، فزيادة التجارة بين مصر ودول بريكس مهمة، لكنها ليست الهدف النهائى، الأهم هو أن تصبح مصر جزءًا من شبكات الإنتاج داخل هذه الدول، وأن تجذب استثمارات صناعية وتكنولوجية قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وزيادة الصادرات، وهنا يمكن أن تتحول دول مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل وإندونيسيا وغيرها إلى مصادر لرؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا والأسواق، وليس فقط إلى مصادر للسلع المستوردة.


وتتسع هذه الفرص لتشمل قطاعات استراتيجية عديدة، من الطاقة الجديدة والمتجددة إلى الصناعات الدوائية والبتروكيماويات والصناعات الغذائية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعى والنقل واللوجستيات والزراعة الحديثة. فالمعيار الحقيقى لنجاح مصر داخل بريكس ينبغى ألا يكون حجم التجارة وحده، وإنما حجم القيمة المضافة التى تستطيع مصر تحقيقها من هذه التجارة، وحجم الاستثمارات التى تستطيع جذبها، وقدرتها على توطين التكنولوجيا وتحويل الشراكات الدولية إلى قدرات إنتاجية محلية.


ويمثل الأمن الغذائى مجالا بالغ الأهمية فى هذه الرؤية، خاصة بعد أن أظهرت الأزمات الدولية خلال السنوات الماضية هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، وتأثير الصراعات والأزمات الجيوسياسية على أسعار الغذاء والطاقة والنقل. وبالتالى تستطيع مصر أن تستفيد من بريكس فى تنويع مصادر الغذاء والحبوب والمواد الخام، وفى إقامة استثمارات زراعية مشتركة، وتطوير منظومات التخزين والنقل والتصنيع الغذائى، بما يعزز قدرة الاقتصاد المصرى على مواجهة الصدمات الخارجية. فالأمن الغذائى لم يعد قضية زراعية فقط، وإنما أصبح جزءًا من الأمن القومى والقدرة الاقتصادية للدول.


وتحتل الطاقة موقعا مركزيا فى هذه المعادلة، خصوصا أن بريكس يضم مجموعة من أكبر منتجى ومستهلكى الطاقة فى العالم، بينما تمتلك مصر موقعًا مهمًا فى سوق الغاز والطاقة فى شرق المتوسط، فضلًا عن موقعها الجغرافى الذى يؤهلها للعب دور فى نقل وتجارة الطاقة، ويمكن لمصر أن توظف عضويتها فى بريكس لتأمين احتياجاتها من الطاقة عبر تنويع الشراكات، وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا فى مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتعزيز موقعها كمركز إقليمى للطاقة، وبذلك تصبح بريكس إحدى الأدوات التى تساعد مصر على بناء قدر أكبر من المرونة الاقتصادية فى مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية.


ويأتى بنك التنمية الجديد فى مقدمة الأدوات التى يمكن من خلالها تحويل عضوية مصر فى بريكس من فرصة سياسية إلى مكاسب اقتصادية ملموسة. فمصر عضو فى البنك منذ عام 2023، والبنك يمثل قناة مهمة لتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة، وتكمن أهمية هذا المسار فى أنه يتيح للقاهرة تنويع مصادر التمويل، خصوصًا فى مشروعات النقل والطاقة والمياه والبنية الرقمية والتنمية الحضرية والمشروعات المستدامة. ولذلك فإن الاستخدام الفعال لبنك التنمية الجديد يجب أن يصبح جزءًا من استراتيجية مصرية متكاملة، بحيث يتم إعداد حزمة من المشروعات القابلة للتمويل، وربطها بالأولويات التنموية المصرية، بدلًا من التعامل مع البنك باعتباره مجرد مصدر تمويل إضافى.


أما فيما يتعلق بالتعاون المالى واستخدام العملات المحلية، فإن مصر تحتاج إلى التعامل مع هذا الملف بواقعية وتدرج، بعيدًا عن التصورات التى تضعه فى إطار مواجهة مباشرة مع الدولار أو النظام المالى العالمى. فالأكثر أهمية بالنسبة للقاهرة هو تنويع أدوات التجارة والتمويل، وتطوير آليات دفع وتسوية أكثر كفاءة، وزيادة إمكانية استخدام العملات الوطنية فى جزء من المعاملات التجارية والاستثمارية عندما تسمح الظروف الاقتصادية بذلك. وهذا من شأنه أن يقلل بعض تكاليف التحويل ومخاطر الاعتماد المفرط على عملة واحدة، دون أن يعنى ذلك الدخول فى مشروع سياسى لاستبدال عملة بأخرى بصورة مفاجئة.


وعلى المستوى السياسى، تمتلك مصر ميزة مهمة يمكن أن تجعل حضورها داخل بريكس أكثر تأثيرًا، وهى قدرتها على التعامل مع أطراف دولية وإقليمية ذات مصالح ورؤى متباينة. فبريكس نفسه ليس تجمعًا متجانسًا من الناحية السياسية؛ فهناك اختلافات واضحة بين أعضائه فى العديد من القضايا، وتباينات فى العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب، فضلًا عن وجود ملفات خلافية بين بعض الدول الأعضاء. ولذلك فإن محاولة تحويل بريكس إلى كتلة سياسية صلبة ذات موقف موحد من جميع القضايا ستكون أمرًا بالغ الصعوبة. لكن هذا التنوع يمكن أن يمنح مصر مساحة للتحرك باعتبارها دولة تدفع باتجاه الحوار والتوافق والحلول السياسية، بدلًا من زيادة الاستقطاب.


وتكتسب القضية الفلسطينية أهمية خاصة فى هذا الإطار، لأن مصر تستطيع أن تربط بين أجندة بريكس الاقتصادية وأجندة الاستقرار الإقليمى، فلا يمكن الفصل بين أمن التجارة العالمية وأمن البحر الأحمر، ولا يمكن فصل أمن الطاقة والغذاء عن الاستقرار فى الشرق الأوسط، ومن ثم فإن الدور المصرى داخل بريكس يمكن أن يمتد إلى دعم الحلول السياسية للأزمات، وتعزيز احترام القانون الدولى، والدفع نحو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بما ينسجم مع الموقف المصرى الثابت الداعم لحل الدولتين ورفض التهجير القسرى للفلسطينيين.


ومن هنا يمكن أن تكون القيمة المصرية داخل بريكس أكبر عندما تستخدم القاهرة خبرتها الدبلوماسية فى بناء جسور التفاهم بين المواقف المختلفة، خاصة فى الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط والأمن الإقليمى والبحر الأحمر والطاقة والأمن الغذائى والقضية الفلسطينية. فمصر ليست بحاجة إلى أن تكون قائدًا للتجمع حتى تكون مؤثرة داخله، وإنما تستطيع أن تكون صوتا للتوازن والواقعية والتوافق، وأن تدفع باتجاه تحويل الاختلافات بين أعضاء بريكس من مصدر للضعف إلى فرصة للحوار والتفاوض.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة