سنوات من الدماء والاغتيالات ومحاولات استهداف مؤسسات الدولة ورجال الأمن انتهت إلى مشهد مختلف تماما عما أرادته الجماعات الإرهابية، قيادات تتوارى، وخلايا تتفكك، وشبكات تمويل تتعرض للملاحقة، وعناصر تسقط تباعا، بينما تحولت التنظيمات التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها أذرعا مسلحة قادرة على تهديد الدولة إلى كيانات تبحث عن منفذ للبقاء.
من "حسم" و"لواء الثورة" إلى التنظيمات المسلحة التي نشطت في سيناء، لم يكن انهيار هذه الجماعات الإرهابية مجرد نتيجة لخسارة معركة ميدانية، وإنما نتيجة استهداف متواصل لمراكز القوة التي يقوم عليها أي تنظيم سري المتمثلة في القيادة، والتمويل، والتسليح، والتجنيد، والاتصالات، والقدرة على الحركة، والأهم البيئة التي تسمح له بإعادة إنتاج نفسه.
"حسم".. الذراع التي أرادت تحويل العنف إلى مشروع
ظهرت حركة "حسم" الإرهابية باعتبارها إحدى أخطر الأذرع المسلحة المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، وحاولت الانتقال من خطاب التنظيم إلى العمل المسلح المباشر، عبر تنفيذ عمليات استهدفت رجال الشرطة والقوات المسلحة وشخصيات عامة لكن الرهان على السرية لم يصمد أمام الضربات الأمنية، بعدما بدأت الخلايا في السقوط، وتكشفت صلات بين عناصرها، وانكشفت مسارات الحركة والتخطيط، لتتحول الميزة التي راهنت عليها الجماعة الإرهابية، وهي العمل السري، إلى عبء عليها فكل خلية يتم تفكيكها لم تكن خسارة عدد من العناصر فقط، وإنما كانت تعني فقدان جزء من شبكة المعلومات والاتصال التي يعتمد عليها التنظيم في إعادة بناء نفسه.
"لواء الثورة".. السلاح الذي لم يصنع تنظيما قادرا على البقاء
المشهد نفسه ظهر مع "لواء الثورة"، الذي ارتبط اسمه بعمليات إرهابية استهدفت رجال الأمن، قبل أن تتعرض بنيته لضربات أفقدته القدرة على العمل بالصورة التي سعى إليها، فالتنظيم المسلح يحتاج إلى أكثر من مجموعة تمتلك السلاح، يحتاج إلى قيادة قادرة على إصدار التوجيهات، وتمويل مستمر، وعناصر جديدة، وأماكن للاختباء، ووسائل اتصال، وقدرة على التحرك دون كشف الشبكة بأكملها، ومع ضرب هذه العناصر بالتتابع، يصبح التنظيم أمام معادلة صعبة فكل محاولة لإعادة البناء تخلق فرصة جديدة لكشف عناصره وشبكاته.
أنصار بيت المقدس.. عندما تحولت الأرض إلى ساحة استنزاف
أما التنظيمات الإرهابية التي اتخذت من سيناء مسرحا لنشاطها، فقد واجهت نمطا مختلفا من المواجهة، بعدما تحولت المنطقة إلى ساحة عمليات أمنية وعسكرية واسعة ضد البؤر الإرهابية، وكانت السيطرة على الأرض عنصرا حاسما في قدرة التنظيم على الحركة، لذلك فإن تضييق الخناق على مناطق الانتشار، واستهداف البنية التحتية للعناصر المسلحة، وملاحقة القيادات والعناصر، قلل تدريجيا من قدرة التنظيم على المناورة، وبمرور الوقت، لم تعد المسألة مرتبطة بقدرة التنظيم على تنفيذ هجوم، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بوجود مستمر وآمن.
الضربة الأخطر.. قطع سلسلة البقاء
القوة الحقيقية لأي تنظيم إرهابي لا تكمن في عدد الأسلحة التي يمتلكها فقط، وإنما في قدرته على إعادة إنتاج عناصره، ولهذا كانت ملاحقة التجنيد واحدة من أخطر الضربات التي يمكن توجيهها للتنظيمات المسلحة لأن سقوط العناصر دون القدرة على تعويضها يعني أن التنظيم يدخل في مسار تنازلي مستمر.
قيادة تسقط، ثم عنصر يتولى مكانها، ثم يسقط بدوره، ومع تكرار العملية تبدأ الحلقة التنظيمية في الانكماش حتى يصبح التنظيم عاجزا عن تعويض خسائره.
التمويل.. شريان لا يستطيع الإرهاب الاستغناء عنه
لا توجد عملية إرهابية بلا تكلفة، فهناك سلاح واتصالات وانتقالات وأماكن اختباء واحتياجات للعناصر ومن هنا أصبح تتبع مصادر التمويل وتحجيم قدرة التنظيمات على تحريك الأموال عاملا مؤثرا في إضعافها، لأن الخلية التي لا تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية تصبح عاجزة عن التحول إلى قوة عملياتية مستمرة وهنا تحديدا يظهر الفارق بين تنظيم يمتلك موارد مستقرة وتنظيم يعيش على محاولات متقطعة لتوفير المال والسلاح.
السرية التي تحولت إلى فخ
ظلت التنظيمات الإرهابية تراهن على الخلايا الصغيرة باعتبارها وسيلة للحماية من الاختراق، لكن هذا النموذج يحمل نقطة ضعف أساسية فكلما ضاقت الخلية، أصبحت خسارة عدد محدود من العناصر أكثر تأثيرا في قدرتها على العمل، ومع سقوط أحد العناصر، قد تنكشف اتصالات أو تحركات أو أسماء أو أماكن مرتبطة به، وهو ما يسمح بتوسيع دائرة الملاحقة، وبذلك تحولت الخلية من وحدة مستقلة ظاهريا إلى حلقة يمكن أن تقود إلى حلقات أخرى.
الدعاية تستطيع صناعة ضجيج.. لكنها لا تصنع قوة
ومع تراجع القدرة على العمل الميداني، اتجهت التنظيمات وأنصارها إلى تعويض الخسارة على الأرض بالدعاية الإلكترونية، صور قديمة، بيانات، مقاطع مجتزأة، روايات مضخمة، ومحاولات لإيهام المتابع بأن التنظيم ما زال حاضرا وقادرا على الحركة لكن الفارق كبير بين امتلاك منصة إعلامية وامتلاك ذراع مسلحة قادرة على تنفيذ عمليات متكررة فالدعاية يمكنها صناعة الضجيج، لكنها لا تستطيع بمفردها إعادة بناء تنظيم فقد قيادته وشبكاته وتمويله وقدرته على الحركة.
لماذا انتصر الأمن؟
السبب الأهم أن المواجهة لم تتعامل مع الإرهاب باعتباره مجموعة أفراد فقط، وإنما استهدفت عناصر المنظومة التي تسمح له بالبقاء، قيادات تحت الملاحقة، خلايا تتفكك، مصادر تمويل تتعرض للضبط، مخازن أسلحة يتم استهدافها، عناصر يتم القبض عليها أو تحييدها، وشبكات اتصال تصبح أكثر عرضة للكشف ومع كل ضربة كانت قدرة التنظيم على إعادة بناء نفسه تتراجع.
من التمكين إلى البحث عن ملاذ
اصطدمت الجماعات المسلحة بحقيقة لا تستطيع الدعاية تغييرها وهي أن الإرهاب يحتاج إلى بيئة تسمح له بالحركة، وإلى تمويل يحافظ على وجوده، وإلى قيادة تستطيع إدارة عناصره، وإلى عناصر قادرة على تنفيذ أوامره وعندما تضرب الدولة هذه الحلقات في وقت واحد، لا يعود التنظيم أمام معركة توسع، وإنما أمام معركة بقاء وهكذا سقط وهم الأذرع المسلحة التي أرادت أن تقدم نفسها باعتبارها قادرة على تهديد الدولة، وتحولت من مشروع يسعى إلى التمدد إلى خلايا مطاردة، ومن قيادات تصدر الأوامر إلى عناصر تبحث عن وسيلة للهروب، ومن تنظيمات تتحدث عن القوة إلى بقايا تحاول إعادة بناء شبكة لم تعد تملك مقومات بقائها.