موسم جنى التمور فى سقارة رزق يتدلى من النخيل.. طليعة يتحدون المخاطر من أجل لقمة العيش.. عشرات الأيدى تتقاسم العمل بين الجمع والفرز والتعبئة.. يحملون مهنة الآباء من جيل إلى جيل.. وقرية على موعد مع الفرحة.. صور

السبت، 12 سبتمبر 2026 04:00 ص
موسم جنى التمور فى سقارة رزق يتدلى من النخيل.. طليعة يتحدون المخاطر من أجل لقمة العيش.. عشرات الأيدى تتقاسم العمل بين الجمع والفرز والتعبئة.. يحملون مهنة الآباء من جيل إلى جيل.. وقرية على موعد مع الفرحة.. صور موسم حصاد التمور بسقارة

كتبت - مرام محمد

ما إن تقترب من قرية سقارة في موسم حصاد التمور، حتى تشعر أن القرية بأكملها قد دخلت في إيقاع مختلف؛ حركة لا تهدأ، وعربات محملة بالتمور تتحرك ذهابًا وإيابًا بين الحقول، وأصوات العمال تتعالى من بين أشجار النخيل، فيما تتدلى عناقيد التمر في انتظار الأيدي التي تعرف كيف تصل إليها وتجمعها في موعدها.

 

تحت ظلال النخيل، يبدأ يوم طويل من العمل؛ رجال يتسلقون الأشجار العالية، يتشبثون بجذوعها ويشقون طريقهم بين السعف للوصول إلى الثمار، بينما تمتد في الأسفل أيادٍ أخرى لاستقبال المحصول وتجميعه وفرزه وتعبئته.

 

وفي قلب هذا المشهد، ينتشر الأطفال بين الزراعات، يتسابقون في التقاط حبات التمر المتناثرة على الأرض، ويتبادلون الضحكات والمنافسة، في مشهد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى اللعب، لكنه في الحقيقة جزء من تفاصيل موسم تعرف القرية كلها قيمته.

 

ورغم التعب الذي ترسمه ساعات العمل الطويلة تحت الشمس على الوجوه، فإن شيئًا من البهجة يملأ المكان؛ فموسم الحصاد هنا ليس مجرد أيام لجمع محصول، وإنما موعد ينتظره كثيرون من عام إلى آخر، باعتباره موسم رزق تُسد فيه الديون، وتُجهز البيوت، ويستعد الآباء لمصاريف أبنائهم، وتتحول فيه ثمرة عام كامل من العمل إلى دخل تنتظره أسر كثيرة.

إبراهيم المدني مزارع بقرية سقارة
إبراهيم المدني مزارع بقرية سقارة

من ديسمبر تبدأ الحكاية.. وفي أغسطس يحين موعد الحصاد

وسط هذه الحركة التي لا تهدأ، كان إبراهيم المدني يجلس خلف أقفاص التمور التي امتلأت بعد يوم طويل من الحصاد، يراقب العمال وهم يواصلون ترتيب المحصول، في انتظار سيارات التحميل التي ستنقل ما جمعته الأرض إلى محطته التالية.

 

على وجه إبراهيم، البالغ من العمر 66 عامًا، بدت آثار ساعات العمل تحت الشمس، لكن خلف ملامح الإرهاق كانت هناك راحة تشبه رضا من أنهى يومه وقد أنجز ما عليه، فهو يعرف أن ما يحدث أمامه ليس بداية الموسم، وإنما نهايته؛ فالمحصول الذي تتجمع ثماره الآن فوق الأرض بدأت حكايته قبل أشهر طويلة.

 

يقول إبراهيم إن حصاد التمور يبدأ في 15 أغسطس، لكن مدة الموسم تختلف وفقًا لحالة الطقس؛ فإذا ارتفعت درجات الحرارة قد ينتهي الجمع خلال شهر تقريبًا، بينما يمكن أن يمتد إلى 35 أو 40 يومًا عندما ترتفع نسبة الرطوبة.

تمور سقارة في موسم الحصاد
تمور سقارة في موسم الحصاد

لكن قبل أن تبدأ الأيدي في جمع الثمار، تكون رحلة خدمة النخلة قد قطعت شوطًا طويلًا؛ فمنذ شهر ديسمبر يبدأ تقليم النخيل وتجهيزه، ثم يبدأ في الطرح خلال شهري فبراير ومارس، ويجري تلقيحه، وبعدها تُربط العراجين وتُنزل، كما يُرش النخيل مرتين لمواجهة الذبابة والحفاظ على الثمار من الإصابة والتسوس، وتستمر أعمال الخدمة حتى منتصف أغسطس، حين يحين موعد جمع المحصول.

 

وبالنسبة لإبراهيم، فإن النخلة ليست مجرد شجرة تنتظر ثمارها، بل كائن له عمر وإنتاج يتأثر بمرور السنوات.

 

ويقول: "النخلة زي البني آدم؛ لما بتكبر في السن، طرحها بيقل، لكن طول ما هي شابة، يعني في عمر 20 أو 30 سنة، بيكون طرحها كويس".

مزارعو قرية سقارة ومحررة اليوم السابع
مزارعو قرية سقارة ومحررة اليوم السابع

20 عاملًا خلف كل قفص تمور

وحين يبدأ الحصاد، تتحول الأرض إلى منظومة عمل متكاملة، تتوزع فيها المهام بين الصعود والجمع والفرز والتعبئة.

 

يقول إبراهيم: "الموسم ده بيعتمد على عمالة كتير. أنا لوحدي معايا 20 راجل شغالين؛ اللي بيقطع، واللي بيجمع، واللي بيعبي، واللي بيطلع النخل".

 

العامل الذي يصعد إلى النخلة لا يعمل وحده؛ فعادة ما يكون أسفل منه نحو أربعة عمال يتولون جمع الثمار، بينما يتولى عامل آخر فرزها، فيميز الجيد من التالف قبل أن تنتقل إلى مرحلة التعبئة.

 

وفي كل هذه المراحل، تظل الشمس جزءًا أساسيًا من المشهد، بل ومن عملية النضج نفسها، كما يقول إبراهيم: "إحنا شغلنا كله في الشمس، والشمس هي اللي بتسوي البلح. لو مفيش شمس، البلح مش هيستوي".
 

أما يومية العامل، فتبدأ من 300 جنيه، وقد تصل إلى 400 أو 500 جنيه، بينما يمكن أن تبلغ 600 جنيه في أقصى الحالات، بحسب طبيعة العمل والخبرة.

 

وهكذا، لا يكون موسم التمور مصدر دخل لصاحب الأرض وحده؛ فكل قفص يخرج من الحقل يحمل وراءه يومية عامل، وأجر من جمع وفرز وعبأ، ونصيبًا لمن تولى الصعود إلى أعلى النخلة.

WhatsApp Image 2026-09-07 at 08.18.27 (2)
طالع النخل في موسم حصاد التمور

خمسة أنواع من التمور.. والحياني في الصدارة

وفي سقارة ومركز البدرشين، تتعدد أنواع التمور، ويشير إبراهيم إلى وجود نحو خمسة أنواع أساسية، من بينها الحياني والسيوي والأمهات، إلى جانب الزغلول والسماني الموجودين في المزرعة.

 

لكن كل نوع له موعده وطريقته في الجمع والتعامل.

 

فالحياني تستغرق فترة جمعه نحو 15 إلى 20 يومًا، بينما يمكن أن يمتد جمع الأمهات إلى 35 أو 40 يومًا، وفقًا لدرجة الحرارة.

 

أما السيوي، فله طبيعة مختلفة؛ إذ يُقطع ثم يُترك ليستوي تحت الشمس، وبعد ذلك يُنشر ويُصنع منه العجوة، ومنها عجوة منزوعة النوى تذهب إلى مصانع الحلويات وأفران الفينو، إلى جانب جزء يطرح للاستهلاك في السوق المحلي.
 

وعندما يتعلق الأمر بالجودة والسعر، لا يتردد إبراهيم في اختيار الحياني.

 

ويقول: "أجود أنواع التمر هو الحياني، وهو كمان أغلى الأنواع من حيث السعر، وبعده الزغلول والسماني وعيشة".

طالع النخل في سقارة
طالع النخل في سقارة
 

موسم تنتظره البيوت من عام إلى آخر

وراء هذه الأنواع ومواعيد جمعها، توجد حكاية أكبر؛ حكاية بيوت تنتظر الموسم، وأصحاب أراضٍ يحصدون نتيجة عام كامل من الإنفاق والعمل، وعمال يجدون خلال أسابيع الحصاد مصدر دخل يساعدهم على تحمل أعباء الحياة.

 

يقول إبراهيم: "صاحب الأرض بيستنى الموسم ده من السنة للسنة، لأنه مصدر رزقه؛ بيخدم الأرض طول السنة، وفي الآخر يجمع المحصول".

 

ويتذكر الرجل كيف تغيرت طبيعة الزراعة في المنطقة؛ فبعدما كانت الجيزة ومركز البدرشين يعتمدان بدرجة كبيرة على زراعة القطن، أصبحت التمور اليوم مصدر رزق أساسيًا لكثير من الأهالي.

حصاد التمور في قرى الجيزة
حصاد التمور في قرى الجيزة

ولا يقتصر ارتباط الموسم بالرزق اليومي، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة نفسها. فإبراهيم يروي أنه قد يستدين من الدكان أو الجزار، ثم يسدد ما عليه بعد بيع المحصول، فيما ترتبط مواعيد الأفراح في القرية أيضًا بانتهاء الموسم، إذ تبدأ عادة من شهر نوفمبر وتمتد حتى فبراير.

 

ثم يصمت لحظة قبل أن يعود إلى الأرض التي عاش معها سنوات طويلة، وكأنها لم تمنحه محصولًا فقط، بل منحته درسًا في الحياة.

 

يقول: "الأرض علمتني الصبر. ممكن زرعة تبوظ، بس دي مش آخر الدنيا، بنزرع غيرها".

أحد المزارعين بسقارة
أحد المزارعين بسقارة

وهي الفكرة نفسها التي ورثها عن والده الراحل، الذي كان يقول له إن فشل الزرعة لا يعني التخلي عنها، وإن على الإنسان أن يصبر ويعاود المحاولة.

 

من هنا، تبدو النخلة في سقارة أكثر من شجرة؛ فهي رزق يُنتظر، ومهنة تُورث، وذاكرة عائلية تتناقلها الأجيال.

 

ربيع.. أكثر من 20 عامًا فوق النخل

ومن بين الرجال الذين أصبحت قمم النخيل جزءًا من حياتهم، يقف ربيع عبد الرازق محمود، البالغ من العمر 57 عامًا، والذي يعمل في مهنة المحارة منذ نحو 10 أو 12 عامًا، لكنه قضى أكثر من 22 عامًا في طلوع النخيل.

طالع النخل في قرية سقارة
طالع النخل في قرية سقارة

لم تبدأ الحكاية معه بحثًا عن مهنة جديدة، وإنما بدأت من والده؛ كان الأب يصعد النخيل ويجمع التمور، بينما كان ربيع يذهب إليه بالطعام، ومع الوقت، بدأ يصعد بدلًا منه شيئًا فشيئًا، حتى أتقن المهنة وأصبح قادرًا على تنفيذ مراحلها المختلفة.

 

رحل الأب، لكن ما علمه لابنه بقي حيًا فوق النخيل، وانتقلت المهارة من مجرد درس يتلقاه الابن إلى مصدر رزق أصبح جزءًا من حياة الأسرة.

 

يقول ربيع إن موسم التمور أفضل بالنسبة له من العمل في المحارة، ولذلك ينتظره كل عام، قبل أن يعود إلى مهنته الأساسية بعد انتهاء الموسم، خصوصًا خلال فصل الشتاء.
 

ويعترف بأن طلوع النخيل عمل شاق ومحفوف بالمخاطر، لكنه لا ينظر إليه باعتباره سببًا للتراجع.

 

يقول ببساطة: "ما هي دي أكل عيشنا"، ثم يضيف أن العمل، مهما كان شاقًا، يظل مصدرًا للرزق الحلال، وهذا وحده كافٍ بالنسبة له ليستمر.

جمع التمور في سقارة
جمع التمور في سقارة

مهنة ربّت أبناءه وبنت له بيتًا

لم يكن ربيع يعمل وحده؛ فهو يعمل مع شقيقه وابنه في التمور، وتحولت المهنة على مدار السنوات إلى مصدر أساسي ساعده في تربية أبنائه وبناء منزله.

 

يقول إن المهنة "كبرت ولاده وظبطت الدنيا معاه"، حتى استطاع بناء بيت من ثلاثة طوابق، وجعل لكل ابن شقة، لكنه رغم ما أنجزه لا يرى أن المسؤولية انتهت.

طالع النخل في موسم حصاد التمور
طالع النخل في موسم حصاد التمور

فلا يزال أمامه أبناء يحتاجون إلى التجهيز، والتزامات مالية وجمعيات، ومسؤوليات لا تسمح له بأن يقول "كفاية".

 

وعلى الرغم من أن أبناءه أحيانًا يقولون له: "يا عم إنت كده كتر خيرك، اقعد بقى"، فإنه يواصل العمل.

 

فالراحة بالنسبة له ليست في التوقف، وإنما في أن يطمئن على أبنائه ويشعر أنه فعل ما يستطيع من أجلهم.

مزارعو سقارة في موسم الحصاد ومحررة اليوم السابع
مزارعو سقارة في موسم الحصاد ومحررة اليوم السابع

"ربنا اللي بيسترها"

المخاطر ليست جديدة على ربيع؛ ففي عمل المحارة نفسه يواجه السقالات المرتفعة، وقد يعمل على واجهات مبانٍ من ستة أو سبعة طوابق، ويسير أحيانًا على لوح ضيق في ارتفاع كبير.

 

أما فوق النخيل، فقد اعتاد التعامل مع ارتفاعات تصل اليوم إلى 10 أو 12 مترًا، بعدما كان في الماضي يصعد نخيلًا يصل ارتفاعه إلى نحو 20 مترًا.

 

وعندما يكون في الأعلى، لا ينسى أن المسافة بينه وبين الأرض كبيرة، وأن الخطأ قد يكون مكلفًا.

طالع النخل في موسم الحصاد
طالع النخل في موسم الحصاد

يقول: "ربنا اللي بيسترها"، موضحًا أن الخطر قد يأتي أحيانًا من تفاصيل صغيرة؛ فقد يعترض شيء حركة الطبق، أو يحدث خلل في الحزام أو الطرف المستخدم في الصعود.

 

ومع ذلك، لم يصل ربيع إلى مرحلة يقول فيها "كفاية"، فالمسؤوليات لا تسمح له بالتوقف، كما أن المهنة أصبحت جزءًا من حياته.

 

ويختصر فلسفته في جملة تبدو بسيطة، لكنها تلخص سنوات عمره: "اللي يشقى يلاقي، إنما اللي ينام هيلاقي منين حضرتك؟".

مشاركة الأطفال في أعمال الحصاد
مشاركة الأطفال في أعمال الحصاد

من الأب إلى الابن.. المهنة التي لا تموت

وكما أخذ ربيع المهنة عن والده، نقلها هو الآخر إلى ابنه. علّمه كيفية الصعود والتعامل مع النخيل، وأصبح الابن قادرًا على تنفيذ المهمة.

 

هكذا، لا تنتقل المهنة في سقارة من يد إلى أخرى فحسب، وإنما تنتقل معها الخبرة والحذر والنصيحة؛ أب علّم ابنه، وابن حمل ما تعلمه معه إلى جيل جديد.

 

ومن هنا تبدأ حكاية إسلام.

حصاد التمور في سقارة
حصاد التمور في سقارة

إسلام.. شاب صعد النخل حبًا في التجربة

في قلب هذا المشهد يظهر إسلام مهدي عطالله، رجل "طليع نخل"، كما يصف نفسه، قضى نحو 14 عامًا في صعود النخيل، إلى جانب عمله الأساسي في مهنة المحارة.

 

ينتظر إسلام موسم التمور من عام إلى آخر؛ يعمل في المحارة طوال العام، وما إن يبدأ موسم التمور حتى ينتقل إلى النخيل، فيواصل الصعود والجمع وإنزال الثمار حتى تسقط آخر حبة من المحصول.

 

لكن اللافت في حكايته أن المال لم يكن السبب الأول الذي دفعه إلى تعلم المهنة.

تمور سقارة في نهاية يوم حصاد
تمور سقارة في نهاية يوم حصاد

كان يرى الرجال يصعدون إلى النخيل، ويريد أن يعرف كيف يفعلون ذلك، وألا يظل في الأسفل يكتفي بجمع ما يسقط أمامه.

 

تعلم إسلام المهنة من ربيع، الذي كان أول من علمه الصعود، كما استفاد من خبرة إبراهيم المدني، حتى أصبح اليوم واحدًا من الرجال الذين يصعدون إلى قمم النخيل بثقة.

 

ويقول: "الموضوع مش مادي.. التجربة نفسها هي اللي شدتني للمهنة، ومع الوقت حبيتها".

فرحة الأهالي بموسم الحصاد
فرحة الأهالي بموسم الحصاد

ومع مرور الوقت، تحولت التجربة إلى شغف حقيقي؛ فلم يعد إسلام ينظر إلى العمل فوق النخيل باعتباره مجرد موسم ينتهي، وإنما أصبح يجد متعة خاصة في الصعود والوصول إلى الثمار بيده، ثم رؤيتها تصل إلى الناس.

 

ويقول: "من حبي في التمور إن أنا أطلع فوق، وأجمعه من على النخلة، وأشوف الناس بتاكله، ببقى مبسوط جدًا".

 

بين السماء والأرض.. لحظات تحتاج إلى تركيز كامل

طلوع النخل بالنسبة لإسلام ليس مهمة سهلة؛ فهو يستخدم الحزام والطبق والطرف وأداة القطع "الشرشرة"، ويبدأ بإزالة الثمار التالفة، ثم يجمع الثمار الجيدة التي تصلح للاستهلاك.

 

وحين يصعد إلى الأعلى، يصبح المشهد مختلفًا تمامًا؛ الأرض تبتعد، والإنسان يجد نفسه معلقًا بين السماء والجذع، لا يفصله عن الأرض إلا أدواته وخبرته.

 

يقول إسلام إن الشعور يشبه أحيانًا أن يكون الإنسان "متعلق في الهوا"، ولهذا فإن التركيز لا يحتمل لحظة غياب.

موسم الخير في قرية سقارة
موسم الخير في قرية سقارة

ويقول: "تركيزك كله عينيك ودماغك"، موضحًا أن الخطأ في حركة واحدة قد يؤدي إلى إصابة، سواء بسبب أداة القطع أو نتيجة اصطدام الطرف بالحزام.

 

ورغم ذلك، يؤكد أنه خلال سنوات عمله لم يتعرض للسقوط أو إصابة خطيرة، لأنه يتعامل مع المهنة بحذر شديد، ويعرف أن من يمارس هذا العمل لا بد أن يعرف تفاصيله جيدًا.

 

ومن أهم ما تعلمه من ربيع أن إتقان ربط الحزام وطريقة الصعود هما أساس الأمان.

 

فبمجرد أن يثبت نفسه ويصل إلى أعلى النخلة، يصبح قادرًا على أداء مهمته بثقة وتركيز.
 

وقد يصل إسلام خلال يوم العمل الواحد إلى نحو 30 نخلة، من الصباح وحتى الظهيرة، بينما تصل يوميته في بعض الأعمال إلى 800 جنيه.

 

"لازم أشقى عشان خاطر عيالي"

ومع كل هذا الجهد والخطر، لا يختصر إسلام سبب استمراره في الأجر.

 

فهو أب لطفلتين، بسنت وسندس، ويرى أن وجودهما هو أحد أكبر أسباب تحمله لمشقة العمل.

حصاد التمور في قرى الجيزة
حصاد التمور في قرى الجيزة

يقول: "لازم أشقى عشان خاطر عيالي، زي ما أبويا شقي ووالدتي شقيت عشاني، لازم أشقى عشان خاطر عيالي".

 

يريد أن يربيهما جيدًا، وأن يراهما في مكان أفضل، وأن تصبحا شيئًا يفتخر به، بعيدًا عن النماذج السيئة التي يراها حوله.

 

ويؤكد أن العمل في موسم التمور شديد الصعوبة، خاصة بالنسبة إلى الشباب الذين يقضون ساعات طويلة في الصعود والجمع والحركة تحت الشمس.

 

لكن التعب بالنسبة له يحمل معنى آخر؛ فلقمة العيش التي تأتي من العرق نعمة، واليومية التي يحصل عليها ثم ينفقها على أسرته تمنحه شعورًا بالرضا.

 

ويقول إن الإنسان حين يعمل ويكسب من تعبه، فإنه يشعر بقيمة ما بين يديه، ويعرف أن "لقمة الحلال نعمة من عند ربنا".

موسم حصاد التمور بسقارة
موسم حصاد التمور بسقارة

النخلة.. شجرة تحمل درسًا في الصبر

وكما علمت الأرض إبراهيم الصبر، تركت النخلة الدرس نفسه في قلب إسلام.

 

يتوقف أمامها متأملًا كيف يمكن لجذع خشبي أن يحمل كل هذه الثمار والألوان والأنواع.

 

ويقول: "من قلب الخشب ده ثمار، جميع الأنواع وجميع الألوان من الخشب ده".

 

وبالنسبة له، لا تتوقف قيمة الموسم عند المال؛ فأكثر لحظاته سعادة هي رؤية من حوله سعداء، وخاصة العمال الذين يعملون معه.
 

أما حلمه، فلا يتحدث عن ثروة كبيرة أو حياة مختلفة تمامًا، وإنما عن شيء بسيط يريد أن يتركه لأبنائه.

 

يقول: "نفسي ربنا يكرمني واعمل حاجة حلوة.. مش طمعان في حاجة أكتر من كده، حاجة حتى عيالي يفتخروا بيها، يبقى عيالي مبسوطين بيها إن أنا عملت حاجة كويسة ليهم".

 

وهكذا، يصبح حلم إسلام امتدادًا لحكاية ربيع؛ أب يريد أن يؤمن مستقبل أبنائه، وابن يريد أن يصنع شيئًا يجعل أبناءه فخورين به.

طالع النخل في قرية سقارة
طالع النخل في قرية سقارة

من أعلى النخلة إلى الأسواق.. رحلة أخرى للثمرة

لكن بمجرد أن تنزل الثمار من فوق النخيل، تبدأ رحلة جديدة لا تقل أهمية عن الصعود نفسه.

 

هنا يظهر محمد، ابن عم إبراهيم المدني، وسط أقفاص التمور، يتابع مرحلة ما بعد الحصاد؛ حيث تتحول الثمار التي كانت معلقة فوق النخيل إلى محصول جاهز للفرز والتعبئة ثم السفر إلى الأسواق.

 

يعرف محمد الأنواع التي تأتي تباعًا خلال الموسم؛ الحياني، ثم الزغلول والسماني والأمهات وغيرها، ولكل نوع موعده الخاص.

 

ويشرح أن الفارق بين مراحل الجمع قد يصل إلى خمسة أو عشرة أيام تقريبًا، وفقًا لموعد نضج كل نوع، وعندما يحين موعد حصاده يبدأ العمال في جمعه وتعبئته بالطريقة نفسها.

 

والتمور الموجودة أمامه في هذه اللحظة من نوع الحياني، الذي حان موعد حصاده، لذلك تنشغل الأيدي بجمعه وتعبئته داخل الأقفاص استعدادًا لنقله.

 

بعد النزول من النخلة، تبدأ مرحلة الفرز؛ تُختار الثمار، ثم تعبأ، وبعدها تتحرك السيارات بالمحصول إلى الأسواق.

 

ولا يبقى تمر سقارة داخل القرية؛ فجزء من رحلته يمتد إلى المنصورة والمنوفية والإسكندرية والقليوبية، إلى جانب محافظات ومدن أخرى وفقًا لوجهات التوزيع.

 

ويذهب المحصول إلى مناطق لا تنتج الكميات نفسها من التمور، لتصل ثمار سقارة إلى أسواق بعيدة عن الحقول التي بدأت منها الحكاية.

موسم حصاد التمور في سقارة
موسم حصاد التمور في سقارة

الحياني.. رحلة من الحقل إلى السوق

وعندما يُسأل محمد عن أفضل الأنواع، يختار الحياني، الذي يصفه بأنه "الرطب الأسمر"، ويرى أن تميزه يرتبط بطراوته وطعمه وقدرته على التخزين.

 

وهنا تكتمل إحدى حلقات الرحلة؛ فالتمرة التي بدأت معلقة فوق النخلة، مرت بعدة أيدٍ، من العامل الذي صعد إليها، إلى من جمعها، ومن فرزها، ومن عبأها، وصولًا إلى من حملها ونقلها إلى السوق.

 

وبذلك لا يكون المنتج النهائي مجرد ثمرة، وإنما حصيلة سلسلة طويلة من العمل بدأت قبل الموسم بأشهر، واستمرت تحت شمس أغسطس حتى وصلت إلى القفص ثم السيارة ثم السوق.

 

"موسم البلد كلها".. حين يصبح الحصاد عيدًا

لكن محمد يرى أن كل هذه التفاصيل، رغم أهميتها، لا تختصر معنى الموسم بالنسبة إلى أهالي سقارة.

 

فموسم التمور بالنسبة له ليس موسمًا زراعيًا عاديًا، وإنما "موسم البلد كلها".

 

العامل الذي يصعد النخلة له نصيبه، ومن يجمع ويفرز ويعبئ له نصيبه، ومن يحمل الأقفاص وينقلها إلى الأسواق له نصيبه، وكذلك أصحاب الأراضي والباعة والعمال الموسميون.

 

كل واحد يدخل الموسم وهو يعرف أن وراءه مسؤولية؛ بيت يحتاج إلى مصاريف، وأبناء يحتاجون إلى تجهيز، والتزامات تنتظر السداد.

 

ولهذا، حين يصف محمد الموسم بأنه يشبه العيد، لا تبدو العبارة مبالغًا فيها.

 

يقول: "بالنسبالنا الموسم ده هو العيد بتاع البلد".

مزارعو سقارة في موسم الحصاد
مزارعو سقارة في موسم الحصاد

نخلة تجمع القرية كلها

ومع اقتراب نهاية اليوم، تستمر حركة الأيدي؛ عامل يرفع قفصًا، وآخر يفرغ الثمار، وثالث يفرزها، وسيارة تستعد للتحميل، بينما في أعلى المشهد يواصل رجال آخرون صعود النخيل وجمع ما تبقى من المحصول.

 

وعلى الأرض، يواصل الأطفال التقاط حبات التمر التي سقطت بين الزراعات، في مشهد بسيط يحمل في داخله تفاصيل حياة قرية كاملة.

 

هنا تتقاطع حكايات أربعة رجال، لكنها في الحقيقة تحكي قصة واحدة.

 

إبراهيم يرى في الأرض رزق عام كامل، ويرى في النخلة درسًا في الصبر والاستمرار.

 

وربيع حمل مهنة أبيه فوق النخيل، ثم نقلها إلى ابنه، وجعل منها وسيلة لتربية أسرته وبناء بيته.

 

وإسلام صعد النخلة أولًا بدافع الفضول وحب التجربة، ثم تحول الصعود بالنسبة إليه إلى شغف ومصدر رزق، وأصبح يرى في عرقه طريقًا لتأمين مستقبل ابنتيه.

موسم حصاد التمور
موسم حصاد التمور

أما محمد، فيرى الموسم من زاوية أخرى؛ من لحظة نزول الثمرة من أعلى النخلة، مرورًا بالفرز والتعبئة، وحتى وصولها إلى أسواق المحافظات.

 

لكن خلف هؤلاء الأربعة عشرات العمال، وأسر كاملة، وشباب ينتظرون الموسم، وأصحاب أراضٍ يخدمون النخيل طوال العام، ثم ينتظرون أسابيع الحصاد لجني ثمرة تعبهم.

 

حتى أجزاء النخلة نفسها لا تضيع؛ فالجريد له استخداماته، والكرناف يدخل في أفران الخبز التقليدية، وكأن الشجرة التي تمنح الثمار تمنح معها أشياء أخرى تستمر في خدمة أهل القرية.

 

وفي سقارة، لا يُنظر إلى موسم التمور باعتباره مجرد أيام لجمع محصول، وإنما باعتباره موعدًا تتجمع فيه أرزاق كثيرة، وتتحرك فيه القرية كلها بإيقاع واحد.

 

رزق صاحب الأرض، ويومية العامل، ومصاريف البيت، وسداد الدين، وتجهيز الأبناء، وحلم شاب يريد أن يصنع شيئًا يفتخر به أطفاله.. كلها حكايات تبدأ من نخلة.

أقفاص التمور في موسم الحصاد
أقفاص التمور في موسم الحصاد

ومع انحسار ضوء الشمس، يهدأ صخب النخيل تدريجيًا، ويترك الرجال أدواتهم جانبًا بعد يوم طويل من الصعود والجمع والفرز. هنا، لا ينتهي اليوم عند آخر ثمرة تهبط من أعلى النخلة، بل يجتمعون معًا في جلسة بسيطة، يتقاسمون فيها الطعام، ويعدّون الشاي على الفحم.

 

جلسة قصيرة، لكنها تحمل كثيرًا من دفء المكان؛ ضحكات وحكايات عن يوم العمل، وكوب شاي ساخن يمر بينهم، قبل أن يعود كل منهم إلى بيته استعدادًا ليوم جديد. مشهد يبدو بسيطًا في تفاصيله، لكنه يلخص حكاية موسم كامل.. تعبٌ يبدأ مع أول ضوء، ورزقٌ يُجمع فوق النخيل، ورفقةٌ تجعل مشقة العمل أهون.

 

وهكذا، بين نخلةٍ وثمرة، وبين يدٍ تتعب وأخرى تمتد بكوب الشاي، تواصل سقارة حكايتها كل عام.. موسم يأتي بالرزق، ويجمع أهل البلد حول ثماره، ثم ينتهي بيوم جميل لا يقل دفئًا عن بدايته.

مزارعو سقارة ومحررة اليوم السابع
مزارعو سقارة ومحررة اليوم السابع



أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة