بعد أن كانت مناطق صحراوية معزولة في أقصى جنوب الصحراء الغربية بنطاق محافظة الوادي الجديد، لا يعرفها سوى عابري القوافل التجارية القديمة، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تحولت اليوم قرى درب الأربعين إلى نموذج بارز لقصص التنمية الزراعية والعمرانية.
وأصبحت المنطقة مجتمعات زراعية متكاملة تنتج أجود أنواع النباتات الطبية والعطرية والمحاصيل الاستراتيجية، وتضم مدارس ووحدات صحية وشبكات كهرباء ومياه وطرقًا ممهدة، في مشهد يجسد قدرة الدولة المصرية على تحويل الصحراء إلى واحات للإنتاج والاستقرار.
وجاء ذلك تتويجًا لجهود الدولة المصرية من أجل عودة الحياة إلى تلك المنطقة، ليس من خلال القوافل التجارية كما كان الحال في الماضي، وإنما عبر قوافل التنمية والاستصلاح الزراعي، لتنـشأ قرى جديدة على جانبي الطريق القديم، وتبدأ رحلة استيطان الصحراء وتحويلها إلى مجتمعات إنتاجية قادرة على جذب السكان وتوفير فرص العمل وتحقيق الأمن الغذائي.
قرى الأربعين.. حكاية أحد أقدم الطرق التجارية في مصر
إنها قرى درب الأربعين، التي اكتسبت اسمها من الطريق التاريخي الشهير «درب الأربعين»، وهو أحد أقدم الطرق التجارية في أفريقيا، وكان يربط بين وسط القارة الأفريقية وجنوب مصر.
وسُمّي بهذا الاسم لأن القوافل كانت تستغرق قرابة أربعين يومًا لقطع المسافة بين مناطق السودان ومدينة أسيوط، مرورًا بصحراء الوادي الجديد.
وعلى مدى قرون طويلة، كان هذا الطريق شريانًا للتجارة ونقل البضائع والماشية، قبل أن تتراجع أهميته مع تطور وسائل النقل الحديثة، بينما بقي اسمه شاهدًا على تاريخ طويل من الحركة التجارية عبر الصحراء.
وتقع قرى درب الأربعين جنوب مركز باريس بمحافظة الوادي الجديد، وتضم مجموعة من القرى والتجمعات الزراعية التي أُنشئت تباعًا ضمن مشروعات الاستصلاح واستيعاب الزيادة السكانية.
ومن أبرزها قرى الأربعين 1، والأربعين 2، والأربعين 3، والأربعين 4، إلى جانب تجمعات زراعية أخرى جرى التوسع فيها خلال السنوات الماضية، لتشكل معًا واحدًا من أكبر التجمعات الزراعية الحديثة بالمحافظة.
ولم تكن البداية سهلة على الإطلاق، فحين بدأت عمليات التعمير في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، واجه الرواد الأوائل ظروفًا قاسية فرضتها الطبيعة الصحراوية، من انعدام الخدمات وبُعد المسافات وارتفاع درجات الحرارة، إلى صعوبة توفير المياه والكهرباء ووسائل النقل.
إلا أن إصرار أبناء الوادي الجديد والدولة على استكمال المشروع جعل المستحيل ممكنًا، وبدأت ملامح الحياة تظهر تدريجيًا مع حفر الآبار وإنشاء المساكن الأولى وشق الطرق الترابية.
درب الأربعين تخرج ملوك زراعة الكمون في صعيد مصر
ومع مرور السنوات، توسعت الرقعة الزراعية بصورة لافتة، وأصبحت الأراضي التي كانت رمالًا جرداء تنتج القمح والشعير والبرسيم والخضروات، إلى جانب النباتات الطبية والعطرية التي أثبتت نجاحًا كبيرًا في بيئة الوادي الجديد، مستفيدة من نقاء المناخ وانخفاض معدلات الرطوبة.
وساعدت هذه العوامل في إنتاج محاصيل ذات جودة عالية ومواصفات تصديرية، لكن التحول الأكبر جاء مع التوسع في زراعة الكمون، الذي وجد في تربة درب الأربعين ومناخها الجاف البيئة المثالية للنمو.
وخلال سنوات قليلة، أصبح الكمون المحصول الأبرز في المنطقة، وحقق للمزارعين عوائد اقتصادية مرتفعة، خاصة مع زيادة الطلب عليه في الأسواق المحلية والعالمية.
واكتسب الكمون المنتج في قرى درب الأربعين سمعة طيبة بين التجار والمصدرين، بفضل ارتفاع نسبة الزيوت الطيارة وجودة الحبوب ونقاء المنتج، وهو ما دفع كثيرًا من المزارعين إلى التوسع في زراعته عامًا بعد آخر.
وتحولت المنطقة إلى واحدة من أهم مناطق إنتاج الكمون في مصر، وأصبح اسم درب الأربعين مرتبطًا بهذا المحصول المهم الذي يدخل في الصناعات الغذائية والدوائية والتوابل.
اهتمام خاص من محافظة الوادي الجديد
ولم يأت هذا النجاح من فراغ، بل كان نتيجة جهود متواصلة من المحافظة وأجهزة الدولة، حيث تحظى قرى درب الأربعين باهتمام خاص من الدكتورة حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، التي تتابع بصورة مستمرة تنفيذ مشروعات التنمية والخدمات.
كما تحرص على إجراء زيارات ميدانية للوقوف على احتياجات المواطنين، والتأكد من انتظام العمل بالمرافق الحكومية، وتذليل العقبات أمام المزارعين والمستثمرين.
وتعمل المحافظة بالتنسيق مع مختلف الوزارات على دعم التوسع في زراعة النباتات الطبية والعطرية، وعلى رأسها الكمون، من خلال تشجيع المزارعين على استخدام نظم الري الحديثة وترشيد استهلاك المياه، والتوسع في الزراعات ذات العائد الاقتصادي المرتفع.
ويأتي ذلك بما يتوافق مع استراتيجية الدولة لتعظيم القيمة المضافة للمحاصيل التصديرية، بدعم من مديرية الزراعة ومراكز البحوث الزراعية، التي عملت على توفير التقاوي الجيدة، وتقديم الإرشاد الزراعي، وتوعية المزارعين بأفضل مواعيد الزراعة وطرق الري الحديثة ومكافحة الآفات.
وساهمت هذه الجهود في رفع الإنتاجية وتحسين جودة المحصول عامًا بعد آخر، كما ساعدت طبيعة المنطقة، التي تتميز بانخفاض الرطوبة وارتفاع سطوع الشمس، على تقليل معدلات الإصابة بالأمراض الفطرية، وهو ما انعكس إيجابًا على جودة الكمون وخفض تكاليف المكافحة ومنح المنتج ميزة تنافسية في الأسواق.
طفرة تنموية وخدمية غير مسبوقة
ومع اتساع النشاط الزراعي، بدأت ملامح التنمية العمرانية تظهر بصورة أكثر وضوحًا، فأنشئت وحدات سكنية جديدة، وتم توصيل شبكات الكهرباء ومياه الشرب، ومد خطوط الاتصالات، وتحسين الطرق التي تربط القرى بمدينة باريس وباقي مراكز المحافظة.
وأنهت هذه المشروعات سنوات طويلة من العزلة، وسهّلت حركة المواطنين ونقل المحاصيل إلى الأسواق.
ومع تزايد أعداد السكان واتساع الرقعة الزراعية، أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير الخدمات الأساسية داخل قرى درب الأربعين، باعتبارها أحد التجمعات الواعدة التي تمثل مستقبل التنمية الزراعية في جنوب الوادي الجديد.
وشهدت القرى خلال السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات متعددة في قطاعات الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والطرق الداخلية، إلى جانب رفع كفاءة شبكات الاتصالات، وهو ما أسهم في تحسين جودة الحياة وتوفير بيئة مستقرة تشجع على الاستقرار وجذب مزيد من السكان والمستثمرين.
الصحة تصل إلى قلب الصحراء
وفي القطاع الصحي، جرى دعم الوحدات الصحية بالأطباء والأطقم التمريضية، إلى جانب توفير حملات طبية دورية ضمن المبادرات الرئاسية، وعلى رأسها مبادرة «100 مليون صحة».
كما تصل القوافل الطبية إلى القرى البعيدة لتقديم خدمات الكشف والعلاج وصرف الأدوية مجانًا، وهو ما خفف من معاناة المواطنين، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
التعليم.. ركيزة أساسية للاستقرار
وكان التعليم أحد أهم ركائز التنمية في قرى درب الأربعين، فبعد أن كان أبناء المنطقة يقطعون عشرات الكيلومترات للوصول إلى أقرب مدرسة، أصبحت القرى تضم مدارس للتعليم الأساسي.
وجرى توفير المعلمين والإداريين وتطوير البيئة التعليمية، بما يضمن حصول الأطفال على حقهم في التعليم داخل مجتمعاتهم الجديدة.
وساعد ذلك على استقرار الأسر وتشجيعها على البقاء والعمل في المنطقة، كما وفر على أبناء القرى مشقة الانتقال لمسافات طويلة، وأسهم في رفع معدلات الالتحاق بالتعليم والحد من التسرب، إلى جانب توفير وسائل نقل للطلاب والمعلمين وتحسين البيئة التعليمية.
دعم فوري في الأزمات والطوارئ
كما شهدت القرى توسعًا في إنشاء المساجد ومراكز الشباب والمقار الخدمية، لتتحول من تجمعات زراعية محدودة إلى مجتمعات متكاملة تتوافر بها معظم الخدمات الأساسية.
ويعكس ذلك رؤية الدولة التي تؤمن بأن التنمية لا تقتصر على استصلاح الأرض، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان وتوفير حياة كريمة له.
ورغم النجاحات الكبيرة، فإن الطبيعة الصحراوية فرضت تحديات لا تقل صعوبة عن تحديات التعمير الأولى، وكان أبرزها السيول التي تعرضت لها بعض مناطق الوادي الجديد خلال السنوات الماضية، وما صاحبها من تجمعات لمياه الأمطار وقطع لبعض الطرق وإلحاق أضرار بالأراضي الزراعية والمنشآت.
وتعاملت الدولة مع هذه التحديات بسرعة وكفاءة، حيث دفعت المحافظة بمعداتها الثقيلة لفتح الطرق وإزالة آثار السيول، كما تم تنفيذ أعمال حماية وتطهير لمخرات السيول، وإنشاء جسور وسواتر ترابية في المناطق الأكثر عرضة.
كما جرى رفع درجة الاستعداد في جميع الأجهزة التنفيذية خلال مواسم سقوط الأمطار، بما حدّ من حجم الخسائر وساعد على حماية المواطنين وممتلكاتهم.
وكثفت الأجهزة التنفيذية جهودها لمواجهة ظاهرة زحف الرمال، التي تمثل تحديًا دائمًا في المناطق الصحراوية، من خلال أعمال الصيانة الدورية للطرق وإزالة الكثبان الرملية والحفاظ على انسيابية الحركة بين القرى ومركز باريس، بما يضمن استمرار نقل المحاصيل الزراعية إلى الأسواق دون معوقات.


انتاج وفير من الفول السوداني بقرى درب الأربعين

إنشا ءبيوت ريفية بقرى درب الأربعين

تطوير قطاع التعليم بقرى درب الأربعين

تعرض قرى درب الأربعين لسيول عارمة

جانب من أعمال حصاد الموسم الماضي

حصاد الكمون فى مركز باريس


قوافل الاغاثة لاهالى القرى فى ازمة السيول

قوافل الحجيج تمر عبر طريق درب الأربعين التاريخى

كمون الثمانين بالوادى الجديد

مزارع الكمون بقرى درب الأربعين

مساعدات إنسانيةوفى اوقات الأزمات لاهالى القرى

تطوير القرية الرابعة بدرب الأربعين

جانب من حصاد محصول الكمون بدرب الأربعين

قوافل طبية من حياة كريمة لدعم اهالى درب الأربعين

لافتة توضح المسافة المؤدية لقرى درب الأربعين