تتعمق الانقسامات داخل جماعة الإخوان الإرهابية، بعدما تحولت الخلافات التنظيمية المتراكمة إلى صراع مفتوح بين جبهات متعددة، لكل منها قياداتها وحساباتها وخطابها الخاص، في مشهد يكشف تراجع قدرة التنظيم على الحفاظ على قيادة موحدة قادرة على فرض رؤيتها على جميع عناصره وقواعده.
وتكشف التطورات داخل الجماعة عن تحول الخلاف من مجرد اختلافات في وجهات النظر بشأن إدارة التنظيم إلى صراع على الشرعية ومراكز النفوذ والموارد المالية والمنابر الإعلامية، إلى جانب محاولة كل جبهة الحفاظ على شبكاتها التنظيمية وقواعدها ومصادر الدعم المرتبطة بها.
وجاءت هذه الانقسامات بصورة أكثر وضوحا خلال السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو، مع تراجع قدرة القيادة التقليدية على إدارة التنظيم والسيطرة على مختلف مكوناته، لتظهر تدريجيا جبهات متنافسة، تتبنى كل منها رؤية مختلفة لطبيعة المرحلة ومستقبل الجماعة.
جبهة تتمسك بالهيكل القديم
وتبرز جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين باعتبارها امتدادا للقيادات التقليدية والحرس القديم داخل الجماعة، حيث تتمسك باللوائح والهياكل التنظيمية ومبدأ السمع والطاعة، وترفض التغييرات التي يمكن أن تعيد تشكيل بنية التنظيم أو تقلص نفوذ القيادات التاريخية.
وتعتمد هذه الجبهة على ما تملكه من موارد مالية ومنابر إعلامية وشبكات تنظيمية، مع تبني خطاب أكثر حذرا في التعامل مع التطورات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل المتغيرات التي فرضها التقارب المصري التركي على طبيعة نشاط عناصر الجماعة في تركيا.
وتقوم استراتيجية جبهة الإخوان على الانتظار والاحتفاظ بالقدرات التنظيمية بدلا من الدخول في مواجهات مباشرة، مع الرهان على حدوث متغير سياسي أو اقتصادي أو إقليمي يمكن أن يفتح الباب أمام عودة الجماعة إلى المشهد، إلى جانب العمل على دعم بعض أتباعها وأسر السجناء وتعزيز السيطرة على مفاصل التنظيم وقراراته.
وفي المقابل، تتحرك جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق من خلال مسار مختلف، يركز بصورة أكبر على النشاط الدعوي والاجتماعي والتربوي، مع الابتعاد عن المواجهة السياسية المباشرة، في محاولة للحفاظ على التنظيم وإعادة بناء قواعده وشبكاته من خلال أنشطة ممتدة في عدد من الدول.
الكماليون يدفعون نحو تغيير القيادة
وفي الجهة الأخرى، يظهر ما يعرف بالمكتب العام أو الكماليون، باعتباره تيارا أكثر رفضا للقيادة التقليدية، وأكثر ميلا إلى تبني خطاب تصعيدي، حيث يطرح هذا التيار رؤية تقوم على إعادة هيكلة التنظيم وتجديد قياداته وفتح المجال أمام العناصر الشابة، مع رفض استمرار الأساليب التنظيمية القديمة ومبدأ السمع والطاعة المطلقة.
ويعكس الصراع بين هذه الجبهات خلافا عميقا حول مستقبل الجماعة وطريقة إدارتها، فبينما تتمسك جبهة إسطنبول بالهيكل التاريخي ومراكز النفوذ القديمة، تركز جبهة لندن على النشاط الدعوي والاجتماعي وإعادة بناء العلاقات والشبكات، فيما يدفع الكماليون باتجاه تغيير أكبر داخل التنظيم وإعادة توزيع مواقع القيادة.
ولم يعد الصراع مقتصرا على المنافسة على المواقع القيادية، وإنما امتد إلى الموارد المالية والمنابر الإعلامية والشبكات الخارجية والقدرة على التأثير في القواعد التنظيمية، وهو ما يجعل فرص التوافق بين الجبهات أكثر صعوبة.
وتشير خريطة الانقسامات الحالية إلى انتقال جماعة الإخوان الإرهابية من نموذج التنظيم الموحد إلى حالة من التعدد التنظيمي والسياسي، مع اختلاف واضح في الرؤى والأدوات والأهداف بين الجبهات المتنافسة، بما يضع مستقبل الجماعة أمام صراع داخلي طويل حول القيادة والشرعية والموارد والقدرة على الاحتفاظ بولاء القواعد.