استهل القرآن الكريم التنبيه على الخطورة البالغة لمنهج التزييف وافتراء الباطل، واعتبر الكذب سلوكا ينافي جوهر الإيمان، حيث قال الله تعالى في محكم كتابة "إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُون"، وتكتمل هذه المنظومة الأخلاقية الشاملة بالتوجيه النبوي الشريف الذي حسم القضية وضبط مسار نقل الأخبار وتداولها، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ".
بهذه النصوص المحكمة، وضع الإسلام سياجا متينا لحماية العقول والمجتمعات من الشائعات والأكاذيب، مؤكدا أن ترويج الأخبار بلا توثق أو إعادة نشر الأدبيات الزائفة يعد مشاركة مباشرة في إثم الكذب وافتراء الباطل، غير أن هذه الضوابط الشرعية والقيم الأخلاقية شهدت انحرافا حادا لدى ماكينة التزييف الإعلامي التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية والكتائب الرقمية المحسوبة عليها، والتي اتخذت من صناعة الشائعات وترويج الفبركات سلاحا رئيسيا في استراتيجيتها الإعلامية لتحقيق مآرب سياسية.

صناعة الشائعة
الشائعة لم تعد مجرد تصرف فردي أو خطأ غير مقصود، بل تحولت إلى "صناعة ثقيلة" تدار وفق أطر تنظيمية وتكتيكات إعلامية مدروسة، وتعتمد هذه الماكينة على استغلال الأزمات الاجتماعية والظروف الاقتصادية لإعادة تشكيل الواقع وزرع حالة من الاحتقان والتشكيك الدائم بين المواطن ومؤسسات دولته.
وتتكامل في هذه العملية أساليب متعددة، تبدأ باختلاق الروايات الزائفة أو اقتطاع تصريحات المسؤولين والشخصيات العامة من سياقها الأصلي لتغيير معناها بالكامل، ثم بعد ذلك استخدام تقنيات المونتاج والتزييف الرقمي لإخراج مقاطع مصورة مضللة توحي بوقوع أحداث غير حقيقية، لتلقين الجمهور سيناريوهات مصنوعة تتنافى مع الواقع الميداني.
من المنبر الشاشي إلى اللجان الإلكترونية
خطورة الآلة الإعلامية الإخوانية لا تتوقف عند حدود الشاشة أو المنبر الإعلامي الواصل للجمهور، بل تعتمد بالأساس على استراتيجية "التدوير المتقاطع" عبر الكتائب والحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي.
تعمل منصات الجماعة الإرهابية على إطلاق البالونة الإعلامية، حيث يقوم المذيع أو المنبر الإعلامي بتمرير معلومة مغلوطة أو صيغة إيحائية تحت دعوى "مصادر خاصة" أو "تسريبات مجهولة"، ثم التشغيل الإلكتروني، والتقاط اللجان الإلكترونية للخبر المفبرك وصياغته على هيئة منشورات مكثفة، وتصميم صور ترويجية، وإنشاء هاشتاجات موجهة لإعطاء انطباع زائف بأن القضية تحظى باهتمام وشغف شعبي واسع.

بعد ذلك يتم استغلال المبدأ النبوي بالمعكوس، بالاعتماد على ما حذر منه الحديث النبوي الشريف "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع"، حيث تستغل الجماعة ميل بعض المستخدمين لنقل الأخبار وتداولها دون تثبت، مما يؤدي إلى تضخيم الشائعة وسرعة انتشارها كالنار في الهشيم عبر مجموعات التواصل والتطبيقات الرقمية.
الانحراف الأخلاقي
إن ما تقوم به آلة الشائعات الإخوانية يعد تجسيدا عمليا للانحراف عن الهدي القرآني الذي قرن افتراء الكذب بضعف الإيمان، فمن خلال استباحة الكذب والتدليس، تسعى الجماعة إلى ضرب مبدأ "البينة والتوثق" الذي أقرته الشريعة الإسلامية لحماية المجتمعات، ولم تعد الأكاذيب تقتصر على الملفات السياسية، بل امتدت لتشمل الشكيك في المشاريع القومية، وإثارة الهلع حول المواد الغذائية والخدمات الحيوية، واختلاق أزمات وهمية تستهدف معنويات المواطنين.
خطورة هذه الممارسات تتجاوز التأثير اللحظي لتصيب "الوعي الجمعي" بالتلوث والإنهاك، حيث يؤدي ضخ الشائعات المتواصل إلى تشتيت الرأي العام، وإضعاف الثقة بين أفراد المجتمع، وتحويل البيئة الرقمية إلى الساحة المستمرة للخوف والتشكيك.
وتبقى الحقيقة والوعي هما السلاح الأقوى في مواجهة الشائعات، فإن ما بني على الكذب وافتراء الباطل يزول أمام الحقائق الدامغة، وتظل حرمة الكذب وتزييف الحقائق خطيئة أخلاقية ودينية لا تسقط بالتقادم.