لم يكن الجدل حول علاقة جماعة الإخوان بالعنف وليد السنوات الأخيرة، بل ظل ملفًا حاضرًا في تاريخ التنظيم وخطابه وممارساته، خاصة مع ظهور كيانات مسلحة تبنت تنفيذ عمليات إرهابية في مصر عقب سقوط حكم الجماعة عام 2013. وبينما حاولت هذه التنظيمات تقديم نفسها باعتبارها كيانات مستقلة عن الإخوان، جاءت تصريحات لقيادات إخوانية لتفتح الباب أمام قراءة مختلفة للعلاقة بين التنظيم الأم والأذرع المسلحة، ومن أبرز هذه التصريحات ما صدر عن رضا فهمي، القيادي الإخواني ورئيس مجلس الدفاع والأمن القومي بمجلس الشورى خلال فترة حكم الجماعة الإرهابية، حين وصف حركة "حسم" بأنها من "حركات التحرر الوطني"
إعادة تسمية العنف «مقاومة» تمنح الإرهاب غطاءً سياسيًا
وفي قراءة لهذه الواقعة، يقول إبراهيم ربيع، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، إن أخطر ما تكشفه تصريحات رضا فهمي ليس مجرد موقف شخصي من حركة مسلحة، وإنما محاولة إعادة تعريف العنف سياسيًا وأخلاقيًا، عبر نقله من خانة الإرهاب واستهداف مؤسسات الدولة والأفراد إلى خانة "المقاومة" و"التحرر الوطني"
ويضيف ربيع أن استخدام مصطلح "التحرر الوطني" لوصف تنظيم مسلح ينفذ عمليات عنف يمثل محاولة لتغيير طبيعة الفعل من خلال تغيير اسمه، موضحًا أن "المشكلة ليست في المصطلح وحده، وإنما في المنظومة الفكرية التي تسمح بتحويل القتل أو استهداف مؤسسات الدولة إلى عمل مشروع طالما يخدم الهدف التنظيمي".

إبراهيم ربيع
ويشير الباحث إلى أن فهم هذه التصريحات يتطلب وضعها في سياق ظهور حركة "حسم"، التي ارتبط اسمها بعدد من العمليات الإرهابية في مصر، من بينها محاولات استهداف شخصيات عامة وأفراد من قوات الأمن. كما أدرجت الولايات المتحدة الحركة على قوائم الإرهاب عام 2018، بينما كانت بريطانيا قد أدرجتها في قوائم الإرهاب قبل ذلك.
ويؤكد ربيع أن الخطورة الأكبر تكمن في منح العنف غطاءً سياسيًا وإعلاميًا، قائلًا إن الجماعات الأيديولوجية لا تحتاج دائمًا إلى إعلان تبنيها المباشر لكل عملية، إذ يمكن أن تؤدي إعادة توصيف منفذيها باعتبارهم "مناضلين" أو "مقاومين" وظيفة موازية تتمثل في توفير الشرعية المعنوية واستقطاب عناصر جديدة.
وتكشف تصريحات فهمي المنشورة عام 2017 عن هذا المنحى بوضوح؛ إذ لم يكتفِ بالإشارة إلى "حسم"، بل تحدث عن انتقالها، بحسب وصفه، من مرحلة "الأعمال العشوائية" إلى مرحلة التنظيم، وأشاد بوجود مكتب سياسي لها، معتبرًا ذلك تطورًا في طبيعة الحركة. كما دعا في ختام حديثه إلى التضامن بين ما وصفه بحركات التحرر لتنفيذ عمليات أكثر تنظيمًا.
ويرى ربيع أن هذا الخطاب يعكس محاولة لإعادة هندسة صورة التنظيم المسلح؛ فبدلًا من تقديمه كجماعة تمارس العنف لتحقيق أهداف سياسية، يجري وضعه داخل سردية "المقاومة"، بما يسمح بتجاوز السؤال الأساسي: من يمنح هذه الجماعات الحق في استخدام السلاح؟ ومن يحدد أهدافها؟ ومن يدفع ثمن عملياتها؟
ويضيف أن تاريخ "حسم" نفسه يجعل هذا التوصيف محل تساؤل جوهري؛ فقد ارتبطت الحركة بعمليات استهداف لشخصيات أمنية وعامة، وهو ما وثقته تقارير متعددة تناولت نشاطها المسلح وعلاقتها بالسياق الإخواني. كما أشارت تحليلات إلى وجود مؤشرات على ارتباطها فكريًا وتنظيميًا بالجماعة، رغم محاولات التبرؤ أو الفصل بين الطرفين في مراحل لاحقة.
ويؤكد ربيع أن المفارقة الأساسية في تجربة الإخوان هي الجمع بين الخطاب السياسي والخيار المسلح، موضحًا أن الجماعة عندما تتحدث عن السياسة تقدم نفسها باعتبارها طرفًا يسعى إلى التغيير، بينما عندما تفشل أدواتها السياسية يمكن أن يظهر خطاب يبرر العنف باعتباره ضرورة أو مقاومة.
تغيير الواجهات لا يعني تغيير منهج الإخوان
ويضيف: "هنا تظهر وظيفة الشخصيات القيادية مثل رضا فهمي؛ فالتصريحات لا تقتصر على التعبير عن موقف، وإنما يمكن أن تتحول إلى رسالة موجهة لقواعد التنظيم وشبابه، مفادها أن السلاح ليس خروجًا على المشروع، وإنما إحدى أدواته".
ولا تتوقف أهمية تصريحات فهمي عند عام 2017، بحسب ربيع، خاصة مع ظهور منصات وكيانات إخوانية جديدة في السنوات الأخيرة، من بينها "ميدان"، التي ارتبط اسمها بقيادات إخوانية في الخارج. وقد تناولت تقارير حديثة العلاقة بين "ميدان" والتيارات المرتبطة بالعنف، فيما أشارت تحليلات أخرى إلى استمرار حضور رضا فهمي في هذا المشهد.
ويختتم إبراهيم ربيع حديثه بالتأكيد على أن المراجعة الحقيقية لأي خطاب سياسي تبدأ من الموقف من العنف؛ فإذا ظل السلاح قابلًا للتبرير، وظل استهداف الدولة والمجتمع قابلًا لإعادة التسمية باعتباره "تحررًا" أو "مقاومة"، فإن تغيير الواجهات والأسماء لا يعني بالضرورة تغييرًا في المنهج.
فبين "حسم" و"ميدان"، وبين خطاب سياسي يتحدث عن التغيير وخطاب آخر يمنح العنف شرعية، يبقى السؤال الأهم: هل تخلت الجماعة فعلًا عن أدوات العنف، أم أنها تتعلم فقط كيف تعيد تقديمها بلغة جديدة؟.