فى السنوات الأخيرة، هناك فعاليات وأحداث تبدأ بريئة للغاية، ولا تحمل فى المضمون والشكل أى أهداف سوى المعلن عنه، لكن فى ظل وجود أشر البشر من تنظيمات وجماعات متطرفة وإرهابية متربصة بالوطن والمواطن، فإن هذه الفعاليات والأحداث تفتقد براءتها وتنحرف عن مسارها، وتُختطف من جماعات وتنظيمات متطرفة، وتصبح خنجرا فى ظهر الوطن والمواطن. وإحصائيات الفعاليات والأحداث التى اختطفها أشر الأرض، لا تعد ولا تحصى، وتحتاج إلى مساحات كبيرة سواء فى الكتب أو الصحف والمواقع، لإمكانية حصرها، فالجماعة الوقحة، تاريخيا، لم تكن غريبة عن فكرة استثمار المساحات الاجتماعية والسياسية التى تتشكل خارج التنظيم ثم محاولة تحويلها إلى مجال نفوذ؛ ورأينا كيف وظفت أحداث 25 يناير 2011 التى تلتصق وقائعها بالذاكرة، بدءا من جمعة الغضب 28 يناير التى عاشت فيه مصر يوما مرعبا لم تعش مثله عبر تاريخها، وتمكنت الإخوان الإرهابية من اختطاب هذا الحراك، ثم اختطاف الوطن واعتباره غنيمة.
وخلال الأيام القليلة الماضية، ظهر جروب على «فيس بوك» يحمل اسم «قاع الهامور» وهو المصطلح المستوحى من مدينة خيالية فى مسلسل كرتونى، شخصيات سبونج بوب وشفيق وبسيط ومستر سلطع؛ صور مصنوعة بالذكاء الاصطناعى، شكاوى متخيلة من سكان مدينة لا وجود لها، ومشاهير وفنانون يدخلون اللعبة، ضحك وكوميكس وهكذا بدأت الحكاية، وهكذا كان من الطبيعى أن ينظر إليها الجميع باعتبارها واحدة من موجات الهزار الجماعى التى تولد على مواقع التواصل ثم تختفى عندما يمل الناس منها.
لكن المشكلة ليست فى قاع الهامور ذاته، وإنما فى اختطافه وانحراف مساره؛ ونظرا لسيطرة جماعة الإخوان وذيولها على مواقع التواصل الاجتماعى، سيطرة شبه كاملة، بدأوا يسطون على الجروب، ويختطفونه، وينحرفون به من مسار الهزل، والهزار والضحك، إلى مسار إثارة الفتن والتشكيك فى الدولة، فى توقيت تتعرض فيه المنطقة لزلزال سياسى واقتصاى مدمر، للدرجة أن الجروب بدأ فى التسخيف من صفحة وزارة الداخلية، النقطة المضيئة والمبهرة لمطاردة الجريمة بكل أنواعها، باعتراف معظم المصريين!
تعريف الاختطاف فى العالم الرقمى، أنه لا يعنى بالضرورة أن يأتى شخص ويستولى على كلمة السر، ولا يحتاج إلى تغيير اسم الجروب أو طرد مؤسسيه، الاختطاف الحقيقى أكثر نعومة وخطورة، يبدأ عندما تتغير وظيفة المكان من دون أن يشعر أعضاؤه.
تدخل الجروب من أجل إيجاد نكتة تضحكك، تجد تشكيكا وتسخيفا من مؤسسة ما، ثم قصة غير موثقة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة، تثير البلبلة، ثم أمام منشور يسأل سؤالا يبدو بريئا لكنه يفترض مسبقا وجود مؤامرة.
جروب قاع الهامور، بدأ مثلما بدأ جروب «جت فى السوستة»، والذى بدأ ترفيهيا واجتماعيا مخصصا للرجال لمناقشة مشاكلهم وتقديم مساعدات إنسانية وخيرية، ثم أفرز شخصيات صارت حولها علامات استفهام كبيرة، وسرعان ما اختطفته جماعة الإخوان، وذيولها، ثم أغلق الجروب بواسطة شركة ميتا فى فبراير 2026.
وهنا لا بد من الإشارة القوية للتدليل على أن جماعة الإخوان لديها قدرة الاختطاف والسطو على كل ما يخدم مصالحها، فقد سبق وأن اختطفت صفحات الطبخ والرياضة والعلاقات والكوميديا، وتحويلها إلى مساحة سياسية صاخبة، تحقق أهداف الجماعة التخريبية، ثم اختطفت جروب «جت فى السوستة» الذى بدأ من المزاح والتكافل إلى تدشين الأفكار المتطرفة، ثم جروب «قاع الهامور» الذى بدأ من سبونج بوب والكوميكس، وانحرف إلى تدشين أفكار وحملات تشكيك وفبركة قصص تثير البلبلة!
وهنا لا بد من التأكيد على أن المحتوى الذى يحمل اتهامات مثيرة، وكاذبة، ينتشر أسرع من التصحيح، فالشائعة تحتاج إلى ثوانٍ حتى تنتشر بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت حتى تثبت، ولذلك فإن الجروب الذى يبدأ بالضحك يمكن أن يتحول بسهولة إلى بيئة مثالية لصناعة الاستقطاب إذا تغيرت طبيعة المحتوى الذى يهيمن عليه، والأخطر أن الاختطاف لا يحتاج إلى إعلان، ولا أحد سيكتب لك منشورا يقول لقد اختطفنا الجروب.
أيضا ليست المشكلة أن يروى مواطن تجربة سيئة مع جهة ما، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول استثناء فردى إلى قاعدة عامة، وحادثة إلى اتهام شامل، وخطأ موظف إلى إدانة مؤسسة، ومعلومة غير مؤكدة إلى حقيقة، ثم يصبح التشكيك فى كل شىء هو المعيار الوحيد المقبول!
لكن التحذير الصادق يصبح ضرورة تأسيسا على المعرفة الكاملة بجماعات التطرف التى سيطرت على الإنترنت، واضطلاعها فى التجنيد والتأثير وصناعة المجتمعات المغلقة، وأن عملية التطرف لم تعد تبدأ بمنشور يدعو للعنف أو دعوة صريحة إلى الإرهاب، وإنما يبدأ ببناء الثقة، ثم خلق هوية جماعية، ثم تقديم تفسير واحد، ثم تصوير كل المصادر الأخرى باعتبارها كاذبة، ثم نقل الفرد تدريجيا من السخرية إلى الغضب ومن الغضب إلى القطيعة مع المجتمع.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أى مجتمع رقمى ليس ظهور منشور متطرف، وإنما الأخطر أن يبدأ بريئا، ثم يكتشف الناس أنه أصبح شيئا آخر تماما، يورط الأبرياء فى جرائم خطيرة!