بمناسبة ثورة 23 يوليو التى تكمل 75 عاما فى العام المقبل، ربما نكون بحاجة إلى تجاوز الجدل الموسمى، حول ما جرى وأن نتجاوز مرحلة الألتراس السياسى الذى لا يختلف عن الألتراس الكروى وينحاز وطبعا لا يمكن محاكمة حدث سياسى فى الخمسينيات من القرن العشرين بقواعد القرن الواحد والعشرين، لكن هذه البديهيات تختفى وسط سحابات الاستقطاب الحاد ومحاولة بعض المتعصبين نفى أى ميزة لمن يختلفون معهم، هناك تيار متعصب أحادى النظرة يصر على التشويش والتلوين وإلغاء أى ميزة هنا أو هناك، بينما الحياة متدرجة ودائما بها تنوع يتيح للبشر الالتقاء عند نقاط قريبة.
والواقع إننى أتلقى الكثير من الأسئلة وأرى منها الكثير على الصفحات والمواقع حول عبدالناصر والسادات، وأكتشف أن الأجيال الأصغر بالفعل ضحايا عملية تشويش ومغالطات ونفى، تصب فى الغالب لصالح التجهيل والتشويش الذى يخفى الحقيقة، بينما التاريخ حلقات متصلة لا يمكن عزلها عن بعضها، فقد كانت ثورة 23 يوليو نتاجا لتفاعلات الطبقات الوسطى وطموحات أبنائها، وأن الفترة من ثورة 1919 حتى يوليو 1952 شهدت تطورا اجتماعيا واقتصاديا واتسعت رقعة التعليم الإلزامى والمتوسط والجامعى، بشكل أدى لتشكيل طبقة وسطى هى التى مثلت تيارات الوفد والتيارات السياسية المتنوعة طوال هذه السنوات، بل إن النخبة التى تلقت تعليما عاليا فى الخارج هى التى اعتمد عليها جمال عبدالناصر فى بناء الأساس الصناعى والتوسع فى الأفكار، وكانت أفكار طه حسين مهدت للتعليم المجانى للفترات الإلزامية، حتى الضباط الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر كانوا من الطبقة الوسطى الذين دخل أبناؤهم الكلية الحربية بجهود الوفد وما بعد معاهدة 1936، كما كان تكوين وعى الضباط الأحرار فى سياق الحركة السياسية الثرية فى الثلاثينيات والأربعينيات، بل إن مبادئ فى الإصلاح الزراعى والعدالة والتصنيع ومجانية التعليم، استمدت من أدبيات ومطالبات الحركات الاجتماعية والسياسيين قبل يوليو.
وبالتالى فلم تكن مصر تفتقر إلى أفكار ونخبة واعية، بينما كانت تحتاج لتطبيق أفكار التحرر والاستقلال إلى قوة تمثلت فى الجيش الذى تحرك لتحقيق مطالب الشعب، وهنا لا يمكن تصديق ما يطرحه بعض منتقدى يوليو أن العهد الملكى كان جنة على الأرض ويتجاهلون الفوارق والاجتماعية والاقتصادية والانقسام الاجتماعى بين طبقة مترفة، وأخرى معدمة، وفى المقابل يرى قطاع من أنصار الثورة، أن العهد الملكى كان يخلو من أى مميزات.
توسعت دولة يوليو فى بناء المدارس والمستشفيات والمساكن وبناء صناعات متنوعة ودعم القائمة منها، وكانت مجانية التعليم أحد أهم مطالب قطاعات عريضة من الوفد والقوى الاجتماعية، وأخذ طه حسين على عاتقه، عند تولى وزارة المعارف، أن يكون التعليم الإلزامى مجانيا، واستكمل عبدالناصر التوسع فى التعليم ما بعد الإلزامى المتوسط والجامعى، وهو ما يراه البعض بداية تدهور التعليم على أساس التوسع فى الكم وإهمال الكيف، لكن الرصد العادل يشير إلى أن التعليم الفنى الصناعى والزراعى كان يمد الصناعة الناشئة بكوادر فنية على كفاءة، وأن التدهور فى الكوادر بدأ مع هجرة العمالة إلى الخارج وإهمال التعليم الفنى مع تحولات الاقتصاد والسياسة بشكل فوضوى، ثم إن تضاعف السكان أكثر من خمس مرات وبقاء المنشآت الصحية والتعليمية كما هى.
لكن خصوم عبدالناصر يحاولون انتزاع أى ميزة عن الرجل الذى قدم تجربة كبيرة غيرت مصر والمنطقة وأثرت بالعالم وساهم فى دعم حركات التحرر وسعى لإقامة دولة حديثة، ربما كانت هناك أخطاء بشرية، لا تقلل من حجم وشكل التحولات التى قدمتها ثورة 23 يوليو ومثلما يجب النظر إلى الزعيم عبدالناصر باحترام وتقدير، فإن على مؤيدى الرجل تجاوز حالة البقاء فى الماضى، وإهالة التراب على تجربة الرئيس أنور السادات الذى قدم إنجازا يتناسب مع فترته، وخلال سنوات حكمه نجح فى تغيير معادلات القوة والتوازن بشكل جذرى، المفارقة أن التشويش الحادث حول ناصر والسادات سببه من ينتمون إلى الرجلين، من المتعصبين المتطرفين الذين لا يغادرون الماضى بينما التجارب والتاريخ ليس فيه لو.