أكد الدكتور خالد عبد الغفار وزير الصحة والسكان أن المستقبل الحقيقي للمنظومة الصحية يرتبط بامتلاك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة عن المواطنين وحالتهم الصحية، مشيرًا إلى أن ثورة البيانات أصبحت واحدة من أهم التحولات التي ستحدد قدرة الدول على التخطيط للخدمات الصحية وتوجيه مواردها.
وأوضح وزير الصحة والسكان، خلال لقائه بالصحفيين والاعلاميين اليوم بحضور ضياء رشوان وزير الدولة للاعلام أن امتلاك البيانات الصحية لا يعني مجرد تخزين أرقام، وإنما معرفة أعداد المصابين بكل مرض، وتوزيعهم الجغرافي، والفئات العمرية الأكثر احتياجًا، ومعدلات الإصابة والتطور، بما يسمح باتخاذ قرارات استباقية قبل وصول المريض إلى مراحل متقدمة من المرض.
وأشار إلى أن الدولة تعمل منذ سنوات على بناء قواعد بيانات صحية مرتبطة بالمبادرات المختلفة، موضحًا أن أحد البرامج الصحية التي تمتد مظلته إلى نحو 95 مليون مستفيد، وجرى العمل عليه على مدار نحو 8 سنوات، بلغت تكلفته حتى الآن قرابة 44 مليار جنيه.
من حديثي الولادة إلى كبار السن.. المبادرات ترصد رحلة حياة المواطن
واستعرض خالد عبد الغفار وزير الصحة نموذجًا لفكرة المبادرات الصحية التي تغطي مختلف مراحل عمر الإنسان، بداية من حديثي الولادة، ثم الأطفال في المراحل العمرية المختلفة، والمراهقين والشباب، والحوامل، وصولًا إلى كبار السن.
وأوضح أن الكشف المبكر يبدأ منذ الولادة، ومن بين الأمثلة المهمة فحص السمع لحديثي الولادة، بهدف اكتشاف حالات ضعف السمع في وقت مبكر والتدخل طبيًا قبل أن تتسبب المشكلة في تأثيرات أكبر على تطور الطفل وقدراته.
وأكد أن أهمية الكشف المبكر تكمن في أن بعض المشكلات الصحية قد لا تكون ظاهرة للأسرة في البداية، وقد لا يتم اكتشافها إلا بعد مرور سنوات، وهو ما يجعل التدخل في مرحلة مبكرة أكثر أهمية في حماية الطفل وتقليل مضاعفات المشكلة.
وأشار إلى أن منظومة المبادرات تمتد بعد ذلك إلى مراحل الطفولة والدراسة والمراهقة والشباب ومراحل الحمل وما بعدها، وصولًا إلى كبار السن، بحيث تكون لكل مرحلة احتياجاتها وبرامجها ومؤشراتها وآليات متابعة نتائجها.
«أنا عارف عندي سكر وضغط وأنيميا قد إيه».. البيانات تقود القرار
وشدد على أن الهدف من تجميع هذه البيانات هو الانتقال من مجرد معرفة حجم المشكلة إلى اتخاذ قرار صحي مبني على معلومات دقيقة.
وأوضح أن قاعدة البيانات تتيح للدولة معرفة معدلات الإصابة بالسكر والضغط وأمراض القلب والأنيميا ومشكلات النمو وغيرها من الأمراض، فضلًا عن معرفة التوزيع الجغرافي والفئات الأكثر احتياجًا.
وأضاف أن معرفة الوضع الصحي للمجتمع تسمح بوضع تدخلات تستهدف منع تدهور الحالات أو اكتشاف المرض في مراحله الأولى، بدلًا من انتظار وصول المريض إلى مرحلة متقدمة تحتاج إلى علاج أكثر تعقيدًا وتكلفة.
وأكد أن البيانات أصبحت عنصرًا أساسيًا في إدارة الموارد الصحية، لأنها تساعد في تحديد أين نحتاج إلى مستشفى، وأين نحتاج إلى وحدة صحية، وأين نحتاج إلى تخصص طبي أو دواء أو حملة فحص.
11 إجراءً في قوائم الانتظار.. من القسطرة إلى زراعة الأعضاء
وانتقل وزير الصحة إلى منظومة إنهاء قوائم الانتظار، موضحًا أنها تستهدف مجموعة من التدخلات الطبية ذات الأولوية، تشمل نحو 11 إجراءً طبيًا من الإجراءات والتخصصات التي تحتاج إلى تدخلات متخصصة.
وتضم هذه الإجراءات حالات مثل القسطرة القلبية، وجراحات القلب المفتوح، وتغيير المفاصل، وجراحات المخ والأعصاب، وإزالة الأورام، إلى جانب عدد من عمليات زراعة الأعضاء، ومنها زراعة الكبد والكلى والرئة.
وأوضح أن التعامل مع قوائم الانتظار يعتمد على ربط البيانات الطبية بالموقع الجغرافي للمريض، بحيث لا يكون الهدف فقط معرفة أن هناك مريضًا يحتاج إلى عملية، وإنما معرفة مكانه واحتياجاته
وأشار إلى أن المريض الذي يحتاج إلى تدخل طبي يتم تحديد بياناته ومحل إقامته ونوع الإجراء المطلوب، ثم يتم توجيهه إلى المنشأة التي يمكنها إجراء التدخل، بدلًا من ترك المريض يبحث بنفسه عن مكان للخدمة.
وأوضح أن هذه الآلية تكتسب أهمية خاصة في الحالات التي تحتاج إلى تخصصات دقيقة، لأن توزيع الحالات على المنشآت القادرة على التعامل معها يساعد في الاستفادة من الإمكانات المتاحة وتقليل الضغط على منشأة واحدة.
وأكد أن الهدف هو ألا تكون جغرافيا إقامة المريض عائقًا أمام حصوله على الخدمة، وإنما يتم استخدام البيانات لتحديد المكان المناسب وتوجيه الحالة إليه.
من «قائمة انتظار» إلى «حالة منجزة».. متابعة رحلة المريض
وشدد على أن النجاح في منظومة قوائم الانتظار لا يقاس فقط بعدد المرضى المسجلين، وإنما بعدد الحالات التي تم تقييمها وإجراء التدخل الطبي المطلوب لها ومتابعة نتائج العلاج.
وأوضح أن المريض قد ينتظر في بعض الحالات فترة طويلة للحصول على التدخل إذا لم تكن هناك منظومة مركزية لتنظيم الحالات وتوزيعها، وقد تمتد فترات الانتظار في بعض الإجراءات إلى مدد طويلة.
وأشار إلى أن بناء منظومة مركزية للبيانات يساعد في معرفة الحالات الموجودة على قوائم الانتظار، وتحديد درجة احتياج كل حالة، وتوجيهها إلى المكان المناسب، ثم متابعة ما إذا كان الإجراء قد تم بالفعل أم لا.
البيانات تربط «المريض» بالمنشأة والطبيب والنتيجة
وأكد أن المرحلة الأكثر أهمية في تطوير قوائم الانتظار هي الانتقال من مجرد تسجيل اسم المريض إلى بناء رحلة رقمية متكاملة للحالة، تبدأ من التشخيص وتحديد الاحتياج، ثم الإحالة إلى المنشأة المناسبة، وإجراء العملية أو التدخل، وأخيرًا متابعة النتيجة.
وأوضح أن هذه المنظومة تتيح لصانع القرار معرفة أماكن الضغط، والتخصصات التي تحتاج إلى دعم، والمنشآت التي تمتلك طاقة استيعابية إضافية، بما يسمح بإعادة توزيع الحالات والموارد بصورة أكثر كفاءة.
واختتم بالتأكيد على أن البيانات ليست مجرد أداة إحصائية، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة المنظومة الصحية، لأنها تنقل التخطيط من التقدير العام إلى معرفة دقيقة باحتياجات المواطن، ومن التعامل مع المشكلة بعد وقوعها إلى التدخل المبكر لمنع تدهورها.