المدرسة الإيطالية القديمة بمدينة القصير تروى تاريخا من التعايش بين المصريين والإيطاليين.. حملت اسم عالم المصريات جيوفانى باتيستا بلزونى.. وتعد أول مؤسسة تعلم البنات الحياكة والتطريز على يد راهبتين من لبنان..صور

السبت، 25 يوليو 2026 02:00 ص
المدرسة الإيطالية القديمة بمدينة القصير تروى تاريخا من التعايش بين المصريين والإيطاليين.. حملت اسم عالم المصريات جيوفانى باتيستا بلزونى.. وتعد أول مؤسسة تعلم البنات الحياكة والتطريز على يد راهبتين من لبنان..صور المدرس الايطالى والطلاب أمام المدرسة

البحر الأحمر - عماد عرفة

تعد المدرسة الايطالية القديمة بمدينة القصير واحدة من أبرز الشواهد التاريخية التي توثق مرحلة مهمة من تاريخ المدينة خلال فترة ازدهار صناعة الفوسفات، حيث ارتبط تأسيسها بوجود الجالية الايطالية التي استقرت بالقصير للعمل في مناجم الفوسفات مطلع القرن العشرين، ولم تكن المدرسة مجرد مؤسسة تعليمية لأبناء العاملين بالشركة المصرية لإنتاج الفوسفات، بل تحولت إلى رمز للتعايش الثقافي والاجتماعي بين المصريين والايطاليين الذين عاشوا معا لسنوات طويلة على أرض المدينة الساحلية.

 

بداية الوجود الايطالي في القصير

مع انطلاق أعمال استخراج الفوسفات في منطقة القصير، توافدت مجموعات كبيرة من العمال والخبراء الايطاليين إلى المدينة، قادمين في معظمهم من مدينة أجوردينو الايطالية، وسرعان ما أسسوا مجتمعا متكاملا يضم مختلف المهن والخدمات اللازمة للحياة اليومية، حيث اصطحبوا معهم الخبازين والطهاة والحلاقين والجزارين وغيرهم، لتتحول القصير إلى مركز حيوي يجمع بين الثقافتين المصرية والايطالية.

وجاء تأسيس الشركة المصرية لإنتاج الفوسفات بدعم من بنك روما، لتصبح واحدة من أهم الشركات العاملة في المنطقة آنذاك، وتوفر فرص عمل لأبناء القصير ومحافظات الصعيد المختلفة، الذين عملوا جنبا إلى جنب مع العمال الايطاليين داخل المناجم ومواقع الإنتاج.

 

إنشاء أول مدرسة ايطالية بالمدينة

ومع استقرار الأسر الايطالية في القصير ووجود أعداد كبيرة من الأطفال، برزت الحاجة إلى توفير مؤسسة تعليمية لأبناء العاملين بالشركة، وبعد نحو خمسة عشر عاما من وصول الايطاليين إلى المدينة، تم إنشاء المدرسة الايطالية التي حملت اسم عالم المصريات والمستكشف الايطالي الشهير جيوفاني باتيستا بلزوني.

ويقول وصفي تمير، أحد أبناء مدينة القصير والمهتمين بتاريخها وتراثها، إن المدرسة تعد من أهم المنشآت التي أقامتها المستعمرة الايطالية بالمدينة، موضحا أن المهندس الروماني فلوريستانو دي فاوستو قام عام 1930 بوضع تصميم المبنى بتكليف من وزارة الشؤون الخارجية الايطالية.

وأضاف أن المدرسة أنشئت لاستيعاب نحو 60 تلميذا من أبناء العاملين بالشركة، وتم تجهيزها في فترة قصيرة لتبدأ عملها كواحدة من أبرز المؤسسات التعليمية بالمنطقة في ذلك الوقت.

 

من التعليم المنزلي إلى الفصول الدراسية

قبل إنشاء المدرسة، كان أبناء الجالية الايطالية يتلقون تعليمهم داخل المنازل، إلا أن افتتاح المدرسة نقل العملية التعليمية إلى مستوى أكثر تنظيما، وتولى المعلم الايطالي بليجريني مهمة تدريس الطلاب الايطاليين، بينما أسند تعليم أبناء القصير إلى المعلم أبو الوفا جنيدي داخل فصول خاصة باللغة العربية.

وشكلت المدرسة نموذجا مبكرا للتنوع الثقافي والتعليمي، حيث ضمت فصولا لتعليم أبناء الجالية الايطالية إلى جانب أبناء المدينة، الأمر الذي ساهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الجانبين.

 

فتح أبواب المدرسة أمام أبناء القصير

ويشير وصفي تمير إلى أن المدرسة كانت في بدايتها مخصصة للأطفال الايطاليين فقط، إلا أن الشيخ توفيق، شيخ العربان آنذاك، تقدم بطلب إلى إدارة الشركة للسماح لأبناء المصريين العاملين بها بالالتحاق بالمدرسة.

ولاقى الطلب ترحيبا من إدارة الشركة، ليتم فتح أبواب المدرسة أمام أبناء القصير، وإنشاء فصل خاص للدراسة باللغة العربية، في خطوة عكست روح التعاون والانفتاح التي سادت تلك الفترة.

 

أول مدرسة لتعليم البنات الحياكة والتطريز

ومن أبرز المحطات في تاريخ المدرسة، وجود راهبتين من لبنان كانتا تشرفان على بعض الأنشطة التعليمية داخلها، نظرا لارتباط المدرسة بالكنيسة.

وكانت المدرسة تضم مكانا مخصصا لتناول الطعام للطلاب، إلا أنه بعد التحاق أبناء القصير بها، تم تخصيص هذا المكان لتعليم الفتيات الحياكة والتطريز على يد الراهبتين اللبنانيتين، يؤكد المهتمون بتاريخ المدينة أن هذه التجربة تعد الأولى من نوعها في القصير، حيث أصبحت المدرسة أول مؤسسة تعليمية تقدم برامج لتعليم البنات مهارات الحياكة والتطريز بشكل منظم.

 

خدمات تعليمية ورحلات للمناجم

لم يقتصر دور المدرسة على تقديم المناهج الدراسية فقط، بل وفرت للطلاب العديد من الخدمات التعليمية والاجتماعية، كما كانت تنظم رحلات دورية إلى مناجم الفوسفات المختلفة التي تديرها الشركة، بهدف تعريف الطلاب بطبيعة العمل وأهمية النشاط التعديني الذي قامت عليه المدينة خلال تلك الحقبة.

وساهمت هذه الرحلات في تعزيز ارتباط الطلاب بالبيئة المحيطة بهم، ومنحتهم فرصة للتعرف عن قرب على مواقع الإنتاج التي شكلت العمود الفقري للاقتصاد المحلي آنذاك.

 

نهاية المدرسة مع تأميم الشركة

استمرت المدرسة في أداء دورها التعليمي لسنوات طويلة، حتى جاءت مرحلة تأميم الشركات في ستينيات القرن الماضي، ومع انتهاء نشاط الشركة المصرية لإنتاج الفوسفات عام 1964، توقفت العديد من المنشآت المرتبطة بها، وكان من بينها المدرسة الايطالية التي أغلقت أبوابها بعد عقود من العمل.

 

الفوسفات.. قصة صنعت تاريخ المدينة

ويذكر أن بنك روما الوطني أسس الشركة المصرية لإنتاج الفوسفات عام 1910، لتصبح من أكبر المشروعات الاقتصادية في المنطقة، واستغرقت أعمال الإنشاء نحو عامين، قبل أن يبدأ الإنتاج الفعلي بعد ثلاثة أعوام، فيما أبحرت أول سفينة محملة بالفوسفات من ميناء القصير إلى الهند عام 1916.

وخلال تلك السنوات، امتزج العمال الايطاليون بأهالي القصير، ونشأت بينهم علاقات إنسانية واجتماعية قوية، حتى أن العديد منهم اختاروا البقاء في المدينة ودفنوا بها بعد وفاتهم، وبقيت المدرسة الايطالية القديمة شاهدا حيا على تلك المرحلة التاريخية التي جمعت بين التعليم والعمل والتعايش الثقافي في واحدة من أهم مدن البحر الأحمر.

التدريس بمدرسة القصير
التدريس بمدرسة القصير

 

الطلاب أمام المدرسة
الطلاب أمام المدرسة

 

المدرس الايطالى بلجرينى وإحدى الراهبات
المدرس الايطالى بلجرينى وإحدى الراهبات

 

المدرس الايطالى والطلاب أمام المدرسة
المدرس الايطالى والطلاب أمام المدرسة

 

طلاب مدرسة القصير
طلاب مدرسة القصير

 

فصل مختلط أبناء القصير  وأبناء الايطاليون
فصل مختلط أبناء القصير وأبناء الايطاليون

 

ما تبقى من المدرسة التاريخية الان
ما تبقى من المدرسة التاريخية الان

 

مدرسة الايطاليون
مدرسة الايطاليون

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة