فاتورة الذكاء الاصطناعى.. من يدفع ثمن كل سؤال نسأله للآلة؟.. مراكز البيانات تتجه لاستهلاك 945 مليار كيلووات/ساعة كهرباء وبصمة مائية 9.3 تريليون لتر سنويًا بحلول 2030.. ومصر تراهن على الشمس والحوسبة الخضراء

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 10:00 ص
فاتورة الذكاء الاصطناعى.. من يدفع ثمن كل سؤال نسأله للآلة؟.. مراكز البيانات تتجه لاستهلاك 945 مليار كيلووات/ساعة كهرباء وبصمة مائية 9.3 تريليون لتر سنويًا بحلول 2030.. ومصر تراهن على الشمس والحوسبة الخضراء صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

رامي محيى الدين

 

 

  • جامعة الأمم المتحدة: تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي بعد تدريبها يستحوذ على ما بين 80 و90% من استهلاكها للطاقة

  • جامعة الأمم المتحدة: البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد تنتج 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا بحلول 2030

  • مختبر لورانس بيركلي: مراكز البيانات قد تستحوذ على ما يصل إلى 12% من استهلاك الكهرباء الأمريكية بحلول 2028

  • Google: السؤال النصي الوسيط عبر Gemini يستهلك 0.24 وات/ساعة من الكهرباء ويرتبط باستهلاك 0.26 ملليلتر من المياه

  • خبير أمن معلومات: مجانية خدمات الذكاء الاصطناعي لا تعني أن تشغيلها بلا تكلفة

  • الدكتور عمرو صبحى: السؤال الطويل للذكاء الاصطناعي أغلى.. ولا توجد تكلفة ثابتة لكل طلب

 

يبدو الأمر بلا تكلفة تقريبًا؛ يفتح المستخدم هاتفه أو جهاز الكمبيوتر، يكتب سؤالًا إلى أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبعد ثوانٍ تظهر الإجابة على الشاشة. لا دخان يتصاعد أمامه، ولا مياه تتدفق، ولا عداد كهرباء يكشف ما حدث خلف الكواليس. لكن تلك الكلمات القليلة تصل إلى المستخدم بعد رحلة داخل بنية تحتية مادية ضخمة تضم مراكز بيانات وخوادم ورقائق إلكترونية وأنظمة تبريد وشبكات كهرباء.

 

ومع الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأت تلك البنية التحتية تتحول إلى مستهلك ضخم للطاقة والموارد الطبيعية. وتكشف أحدث الأرقام أن «السحابة» التي تبدو غير مادية للمستخدم تقف وراءها منشآت قد يصل استهلاكها من الكهرباء إلى مستوى استهلاك دول كاملة، بينما تمتد الفاتورة من الكهرباء إلى المياه والأرض والانبعاثات والنفايات الإلكترونية.

 

من 415 إلى 945 مليار كيلووات/ساعة

تكشف وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «الطاقة والذكاء الاصطناعي» أن مراكز البيانات حول العالم استهلكت نحو 415 تيراوات/ساعة من الكهرباء في 2024، أي ما يعادل 1.5% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي، بعدما نما استهلاك القطاع بنحو 12% سنويًا خلال السنوات الخمس السابقة.

 

والتيراوات/ساعة يعادل مليار كيلووات/ساعة، ما يعني أن استهلاك مراكز البيانات في 2024 بلغ نحو 415 مليار كيلووات/ساعة.

 

لكن الرقم مرشح للقفز سريعًا. ففي السيناريو الأساسي للوكالة، يصل استهلاك مراكز البيانات إلى نحو 945 تيراوات/ساعة، أو 945 مليار كيلووات/ساعة، بحلول 2030، أي أكثر من ضعف مستوى 2024، وما يقل قليلًا عن 3% من استهلاك الكهرباء العالمي المتوقع في ذلك العام. وتقول الوكالة إن هذا الحجم يزيد قليلًا على إجمالي ما تستهلكه اليابان حاليًا من الكهرباء.

 

ومن المهم هنا التفريق بين استهلاك «الذكاء الاصطناعي» واستهلاك «مراكز البيانات» ككل؛ فرقم 945 تيراوات/ساعة لا يمثل استهلاك الذكاء الاصطناعي وحده، بل جميع مراكز البيانات، إلا أن وكالة الطاقة الدولية تعتبر الذكاء الاصطناعي أهم محركات هذه الزيادة. ومن المتوقع أن ينمو استهلاك الخوادم المعجّلة، التي يقود انتشارها أساسًا استخدام الذكاء الاصطناعي، بنحو 30% سنويًا حتى 2030، وأن تمثل وحدها قرابة نصف الزيادة الصافية في استهلاك كهرباء مراكز البيانات.

 

الذكاء الاصطناعي يغير خريطة استهلاك الكهرباء

ليست المشكلة في حجم الاستهلاك وحده، بل في سرعته ومكان تركزه. فمن المتوقع أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بنحو 15% سنويًا بين 2024 و2030، أي أكثر من أربعة أمثال معدل نمو استهلاك الكهرباء في بقية القطاعات مجتمعة.

 

وتتصدر الولايات المتحدة المشهد؛ فقد استحوذت على نحو 45% من استهلاك مراكز البيانات العالمي للكهرباء في 2024، مقابل 25% للصين و15% لأوروبا.


وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستحوذ الولايات المتحدة والصين معًا على قرابة 80% من النمو العالمي في استهلاك مراكز البيانات حتى 2030.

 

وتوضح تجربة الولايات المتحدة حجم التحول، فوفق مختبر لورانس بيركلي الوطني، ارتفع استهلاك مراكز البيانات الأمريكية من 58 تيراوات/ساعة في 2014 إلى 176 تيراوات/ساعة في 2023، لتستهلك نحو 4.4% من إجمالي الكهرباء الأمريكية. وقد يصل استهلاكها إلى ما بين 325 و580 تيراوات/ساعة بحلول 2028، بما يعادل ما بين 6.7% و12% من الكهرباء الأمريكية، بحسب السيناريوهات المختلفة.

انفو 1
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

كم يستهلك السؤال الواحد؟

هنا تصبح الحسابات أكثر تعقيدًا، فلا توجد «فاتورة ثابتة» لكل سؤال يوجه إلى الذكاء الاصطناعي؛ فالاستهلاك يختلف باختلاف النموذج، وطول السؤال والإجابة، ونوع المهمة، والرقائق المستخدمة، ومركز البيانات ومصدر الكهرباء وحتى طريقة التبريد.

 

وتقدم Google مثالًا عمليًا على هذا الاختلاف، ففي قياس نشرته الشركة استنادًا إلى بيانات مايو 2025، قدرت أن السؤال النصي الوسيط عبر تطبيقات Gemini يستهلك 0.24 وات/ساعة من الكهرباء، وينتج 0.03 جرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ويرتبط باستهلاك 0.26 ملليلتر من المياه، لكنها أكدت أن هذه الأرقام تخص قياسًا في نقطة زمنية محددة ولا تمثل بالضرورة جميع الأسئلة أو النماذج، كما أن هذه النتائج منشورة من الشركة نفسها ولم تخضع، بحسب Google، للتحقق من طرف ثالث مستقل.

 

وهذا يفسر لماذا قد تكون محاولة وضع رقم عالمي واحد لـ«تكلفة السؤال» مضللة، فوفق تقرير جامعة الأمم المتحدة لعام 2026، يمكن أن يستهلك استفسار محادثة نموذجي نحو 200 ضعف الطاقة المستخدمة في مهمة بسيطة لتصنيف النصوص، بينما قد يتطلب إنشاء صورة بالذكاء الاصطناعي نحو 1450 ضعفًا من خط الأساس نفسه، وقد يصل استهلاك فيديو قصير عالي التعقيد إلى ما يعادل استهلاك 200 ألف عملية لتصنيف رسائل البريد المزعج.

 

التدريب ليس وحده المشكلة.. مليارات الأسئلة بعد الإطلاق

لسنوات تركز النقاش على كمية الكهرباء اللازمة لتدريب النماذج الضخمة، لكن تشغيل النموذج بعد إطلاقه قد يصبح أكثر أهمية.

 

ويقدر تقرير معهد المياه والبيئة والصحة بجامعة الأمم المتحدة أن مرحلة الاستدلال Inference، أي تشغيل النماذج للرد على طلبات المستخدمين بعد تدريبها، قد تمثل ما بين 80% و90% من إجمالي استهلاك الطاقة المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

 

ويشير التقرير، مستندًا إلى تقديرات متاحة، إلى أن ChatGPT يعالج نحو 2.5 مليار طلب يوميًا، وأن ذلك يمكن أن يعادل نحو 383 جيجاوات/ساعة من الكهرباء سنويًا لمنتج واحد. ويجب التعامل مع هذا الرقم باعتباره تقديرًا بحثيًا وليس إفصاحًا مباشرًا عن استهلاك ChatGPT الفعلي من OpenAI.

 

9.3 تريليون لتر.. الوجه المائي للآلة

الكهرباء ليست وحدها على الفاتورة. فالخوادم والرقائق عالية الأداء تنتج كميات كبيرة من الحرارة، ما يجعل التبريد جزءًا أساسيًا من تشغيل مراكز البيانات، فضلًا عن المياه المستخدمة بصورة غير مباشرة في إنتاج الكهرباء نفسها.

 

وتقدر جامعة الأمم المتحدة أن البصمة المائية المرتبطة باستهلاك مراكز البيانات المتوقع للكهرباء في 2030 قد تصل إلى 9.3 تريليون لتر من المياه سنويًا، وهو ما يعادل الاحتياجات المنزلية الأساسية السنوية لنحو 1.3 مليار شخص في أفريقيا جنوب الصحراء.

 

ولا تتوقف البصمة البيئية عند المياه. فالتقرير نفسه يقدر أن استهلاك الكهرباء المتوقع لمراكز البيانات في 2030 قد يرتبط ببصمة كربونية تبلغ نحو 399 مليون طن، وبصمة أرضية تتجاوز 14,500 كيلومتر مربع.

 

ويحذر الباحثون من أن الطاقة «منخفضة الكربون» لا تعني بالضرورة انخفاض جميع الآثار البيئية؛ فالتحول من الفحم إلى الطاقة الحيوية، على سبيل المثال، يمكن في المتوسط أن يخفض البصمة الكربونية للكهرباء بنحو 70%، لكنه قد يرفع بصمتها المائية بأكثر من 30 ضعفًا وبصمتها الأرضية بنحو 100 ضعف، وهو ما يجعل تقييم استدامة الذكاء الاصطناعي بالانبعاثات وحدها غير كافٍ.

انفو 2
انفو 2

 

2.5 مليون طن من المخلفات الإلكترونية

هناك فاتورة أخرى تبدأ قبل تشغيل الخوادم وتستمر بعد خروجها من الخدمة. فالسباق على رقائق ومعالجات أسرع يعني إنتاجًا متزايدًا للمعدات واستبدال أجيال منها بأخرى.

 

وتحذر جامعة الأمم المتحدة من أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمكن أن تولد ما يصل إلى 2.5 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا بحلول 2030، وهو وزن يقارب التخلص من 250 برج إيفل كل عام. كما يشير التقرير إلى أن استخراج المعادن الحرجة اللازمة لتلك المعدات ومعالجة المخلفات قد يحمّلان مجتمعات بعيدة عن مراكز الاستفادة الرئيسية من الذكاء الاصطناعي جزءًا من تكلفته البيئية.

 

وتزداد المفارقة وضوحًا مع توزيع القوة الحاسوبية عالميًا؛ إذ يقول تقرير جامعة الأمم المتحدة إن 32 دولة فقط تستضيف مراكز بيانات متخصصة في الذكاء الاصطناعي، وأكثر من 90% من هذه القدرة متركزة في دولتين، الولايات المتحدة والصين، بينما تفتقر أكثر من 150 دولة إلى بنية حوسبة سيادية للذكاء الاصطناعي.

انفو 3
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

شركات التكنولوجيا تبحث عن كهرباء أكثر.. وأنظف

الزيادة المتوقعة في الطلب دفعت شركات التكنولوجيا إلى سباق موازٍ لتأمين الطاقة ورفع الكفاءة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تلبي المصادر المتجددة نحو نصف الزيادة العالمية في الطلب على كهرباء مراكز البيانات حتى 2030، لكن الوقود الأحفوري سيظل حاضرًا؛ فالغاز الطبيعي والفحم سيشاركان في تلبية الزيادة، بينما يزداد دور الطاقة النووية تدريجيًا قرب نهاية العقد وما بعده.

 

وتقول Google إنها تعاقدت خلال 2024 على شراء أكثر من 8 جيجاوات من قدرات الطاقة النظيفة، كما أعادت تغذية الأنظمة المائية والمجتمعات بنحو 4.5 مليار جالون من المياه، لترتفع نسبة تعويض استهلاكها من المياه العذبة من 18% في 2023 إلى 64% في 2024. وتقول الشركة كذلك إن معالجها Ironwood أصبح أكثر كفاءة في استخدام الطاقة بنحو 30 مرة مقارنة بأول Cloud TPU طرحته في 2018.

 

أما Microsoft فتقول إن تصميمًا جديدًا لمراكز البيانات المخصصة لأحمال الذكاء الاصطناعي يستطيع تشغيل أنظمة التبريد دون استهلاك المياه، بما يمكن أن يتجنب استخدام نحو 125 ألف متر مكعب من المياه سنويًا لكل منشأة. كما أعلنت الشركة وصول معدل إعادة استخدام وإعادة تدوير الخوادم والمكونات إلى 90.9%، وتعاقدها على 34 جيجاوات من الكهرباء الخالية من الكربون في 24 دولة.

انفو 4
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

هل يمكن حساب التكلفة الحقيقية لكل سؤال؟

قال الدكتور  عمرو صبحي، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي، في تصريحات خاصة لـ«اليوم السابع»، إن الحديث عن «سعر ثابت للسؤال الواحد» في الذكاء الاصطناعي ليس دقيقًا تقنيًا، لأن التكلفة تختلف وفق حجم النموذج، وعدد الكلمات أو الـ«Tokens» التي يقرأها ويولدها، ونوع المهمة، وقوة المعالجات المستخدمة، وكفاءة مركز البيانات.

 

وأوضح أن التكلفة لا تقتصر على الكهرباء التي تستهلكها معالجات الرسوميات «GPU»، وإنما تشمل أيضًا الذاكرة والتخزين والشبكات والتبريد والطاقة الاحتياطية، فضلًا عن تكلفة الخوادم وتدريب النماذج والبرمجيات والبنية التحتية.

 

ولفت صبحي إلى الفارق الكبير بين المهام، ضاربًا مثالًا بتوليد فيديو مدته 10 ثوانٍ، والذي قد يتطلب، بحسب تقديره التقريبي، كهرباء تعادل تشغيل تكييف منزلي بقدرة 1.5 حصان لمدة ثلاث ساعات، في مثال يوضح الفارق بين بساطة الطلب الذي يقدمه المستخدم وحجم الموارد الحاسوبية التي قد يتطلبها تنفيذه.

 

ماذا يحدث داخل مركز البيانات؟

وأوضح صبحي أن السؤال ينتقل عبر الإنترنت إلى مركز البيانات، ثم تتحول الكلمات إلى وحدات رقمية تعرف باسم «Tokens»، قبل توجيه الطلب إلى خوادم مزودة بمعالجات متخصصة مثل «GPUs» أو «TPUs».

 

ويجري النموذج عددًا هائلًا من العمليات الحسابية لإنتاج الإجابة كلمة تلو الأخرى، وقد تتطلب نماذج «الاستدلال» عمليات إضافية، ما يرفع حجم الموارد والطاقة المستهلكة.

 

وأكد أن السؤال الطويل يكون أغلى في الغالب، ولكن ليس بنسبة ثابتة؛ فكلما زاد النص الذي يقرأه النموذج أو حجم الإجابة التي ينتجها، زادت العمليات الحسابية المطلوبة. كما تختلف التكلفة حسب طبيعة المهمة؛ فتلخيص صفحة لا يقارن بتحليل كتاب كامل، وكتابة نص تختلف عن تحليل صورة أو توليد فيديو.

 

لذلك، لا يصح القول إن كل سؤال للذكاء الاصطناعي يستهلك كمية ثابتة من الكهرباء أو المياه، لأن الاستهلاك يتغير وفق طبيعة الطلب والنموذج المستخدم.

 

من يدفع الفاتورة إذا كانت الخدمة مجانية؟

وقال صبحي إن مجانية الخدمة للمستخدم لا تعني أن تشغيلها مجاني؛ فالشركات تتحمل تكاليف الحوسبة والخوادم والكهرباء والبنية التحتية، وتعوضها من خلال الاشتراكات وخدمات الشركات وواجهات البرمجة «API» والعقود السحابية والإعلانات في بعض الخدمات وتمويل المستثمرين.

 

وأشار إلى وجود تكلفة بيئية واجتماعية أيضًا، تتمثل في الضغط على شبكات الكهرباء والمياه والانبعاثات واستهلاك الموارد، خاصة في المناطق التي تستضيف مراكز بيانات ضخمة.

 

وأكد أن التوسع السريع في مراكز البيانات قد يتحول إلى عبء على البنية التحتية، خاصة مع احتياج المنشآت الضخمة إلى قدرات كهربائية كبيرة في نقاط محددة من الشبكة، بينما يتطلب تطوير محطات الكهرباء وخطوط النقل والمحولات استثمارات ضخمة ومددًا زمنية طويلة.

 

ويرى أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يكون استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة في حد ذاته، وإنما سرعة نمو هذا الطلب مقارنة بقدرة الدول على تطوير شبكات الكهرباء ومصادر الطاقة وموارد المياه.

 

واختتم صبحي حديثه بالتأكيد على أن السؤال الذي ينبغي طرحه مستقبلًا ليس فقط: «كم يستهلك الذكاء الاصطناعي؟»، وإنما: «ما القيمة التي نحصل عليها مقابل كل وحدة كهرباء ومياه وحوسبة نستهلكها؟»، مشددًا على أن المنافسة المقبلة ستشمل تطوير نماذج أكثر كفاءة تقدم قدرات أكبر باستهلاك أقل للطاقة والموارد.

الدكتور عمرو صبحى خبير أمن المعلومات
الدكتور عمرو صبحى خبير أمن المعلومات

 

الوجه الآخر للفاتورة.. ماذا يعطينا الذكاء الاصطناعي مقابل الطاقة؟

لكن معادلة الطاقة والذكاء الاصطناعي لا تسير في اتجاه واحد؛ فالتكنولوجيا التي ترفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء يمكن أن تستخدم في الوقت نفسه لخفض استهلاك الطاقة في قطاعات أخرى، وتحسين إدارة شبكات الكهرباء ودمج مصادر الطاقة المتجددة والتنبؤ بالأعطال وتحسين كفاءة المصانع والمباني.

 

وتقدر وكالة الطاقة الدولية أنه في حالة الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تشغيل وصيانة قطاع الكهرباء، يمكن تحقيق وفورات تصل إلى 110 مليارات دولار سنويًا بحلول 2035 نتيجة خفض استهلاك الوقود والتكاليف الأخرى.

 

وتشير الوكالة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في إدارة الشبكات يمكن أن يساعد على الاستفادة من ما يصل إلى 175 جيجاوات من قدرات نقل الكهرباء الإضافية عبر الخطوط القائمة دون الحاجة إلى إنشاء خطوط جديدة بالقدر نفسه.

 

وفي المباني، يمكن للتوسع في التطبيقات الحالية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتحسين أنظمة التدفئة والتبريد وإدارة استهلاك الكهرباء أن يوفر عالميًا نحو 300 تيراوات/ساعة من الكهرباء، وهو ما يعادل تقريبًا إنتاج أستراليا ونيوزيلندا من الكهرباء حاليًا.

 

وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيدًا؛ فالذكاء الاصطناعي مستهلك متنامٍ للطاقة من ناحية، لكنه يمكن أن يتحول من ناحية أخرى إلى أداة لتقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام الطاقة. وبالتالي لا تقتصر القضية على حجم الكهرباء التي تستهلكها الخوارزميات، وإنما تمتد إلى حجم القيمة الاقتصادية والبيئية التي يمكن أن تحققها مقابل هذه الموارد.

 

وماذا عن مصر؟.. رهان على الشمس ومراكز البيانات

لا تقف مصر خارج سباق الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات؛ فالنسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030 تتضمن مبادرة مستقلة لـ«ضمان استدامة مراكز البيانات»، تدعو إلى وضع معايير وطنية لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات وأجهزة الحوسبة، وتشجيع تخطيط وتصميم مراكز بيانات خضراء، والاستفادة من موارد الطاقة الشمسية المصرية لتوفير الكهرباء النظيفة لهذه المنشآت.

 

وانتقل هذا التوجه من مستوى الاستراتيجية إلى خطوات تنفيذية؛ ففي يونيو 2026 بدأت وزارات الكهرباء والطاقة المتجددة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والاستثمار والتجارة الخارجية تنسيق الجهود لإعداد استراتيجية وطنية لمراكز البيانات والحوسبة السحابية، تستهدف جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز موقع مصر كمركز إقليمي للخدمات الرقمية والطاقة المتجددة، مع دراسة المواقع المتاحة ومصادر الطاقة المتجددة والحوافز الاستثمارية ومدى جاهزية شبكات الكهرباء والاتصالات.

 

وفي مايو 2026، بحثت وزارة الكهرباء آليات توفير الطاقة اللازمة لإقامة مشروع مركز عالمي للبيانات في مصر، ضمن توجه يستهدف الاستفادة من الموقع الجغرافي للبلاد وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة وحركة البيانات وبوابة للربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، مع التأكيد على تعظيم الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

 

ولا يقتصر التحرك على مراكز البيانات؛ ففي يوليو 2026 افتتحت شركة «كونيكتا» العالمية مقرها الإقليمي بالقاهرة الجديدة وأطلقت من مصر أول مركز تميز عالمي لها في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، ضمن خطة توسع باستثمارات تقدر بنحو 100 مليون دولار، تستهدف تقديم خدمات رقمية وتقنية من مصر لأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا والأميركيتين.

 

وفي الوقت نفسه، لا يقتصر الرهان المصري على توفير الطاقة اللازمة للذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه في قطاع الطاقة؛ إذ تضع الاستراتيجية الوطنية إدارة الشبكات الكهربائية الذكية ضمن التطبيقات المستهدفة، لتظهر معادلة مزدوجة: توفير طاقة أكثر كفاءة للبنية التحتية الرقمية، واستخدام التكنولوجيا نفسها لتحسين كفاءة منظومة الطاقة.

 

وهكذا يصبح الموقع الجغرافي، والربط الدولي، والبنية التحتية للاتصالات، والطاقة المتجددة عناصر في رهان مصر على جذب صناعة مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، ولكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين التوسع في القدرات الحاسوبية وبين الطلب الإضافي الذي تفرضه هذه الصناعة على الكهرباء والمياه والموارد.

انفو 6
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى

 

في النهاية.. من يدفع الفاتورة؟

الإجابة ليست المستخدم وحده، وليست شركات التكنولوجيا وحدها، فالمستخدم قد يحصل على الإجابة خلال ثوانٍ وربما دون أن يدفع مقابلًا ماليًا مباشرًا، لكن وراء الشاشة تعمل بنية تحتية ضخمة من مراكز البيانات والخوادم وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد، وتُستهلك المياه والطاقة والمعادن والأراضي لإبقاء هذه المنظومة قيد التشغيل.

 

وفي المقابل، لا تمثل هذه الموارد تكلفة بلا عائد بالضرورة؛ فالذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يساعد في تحسين كفاءة شبكات الكهرباء والمباني والصناعة وتقليل الهدر، لتصبح المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد حساب عدد الكيلووات أو لترات المياه التي يستهلكها كل سؤال.

 

ومع انتقال العالم من ملايين الأسئلة إلى ملياراتها، وتسارع السباق نحو نماذج أكبر وأكثر قدرة، ربما لن يكون السؤال الأهم مستقبلًا: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: كم من موارد الكوكب نريد أن ندفع مقابل ما نطلب منه أن يفعله، وما القيمة التي سنحصل عليها في المقابل؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة