لم يكن أصعب ما مر به جبر نصير أن يفقد ساقه اليسرى، ولا أن يجد نفسه بعد الإصابة حبيس كرسي متحرك، يواجه آلاما شديدة في الأعصاب تذكره كل يوم بما حدث، الأصعب، كما يقول، أن يرى أطفاله الأربعة أمامه ولا يستطيع أن يفعل لهم ما كان يفعله قبل الإصابة.
الحياة النزوح
يعيش جبر اليوم نازحا غرب غزة، قرب ملعب فلسطين، في ظروف أنهكت جسده وأثقلت قلبه، الإصابة لم تترك له القدرة على العمل كما كان، ولم يعد قادرا على تأمين مصدر رزق يعيل به أسرته، فتحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة مع الاحتياج.
يجلس على كرسيه المتحرك، فيما تتراكم حوله الأسئلة التي لا يملك لها إجابات، ماذا سيأكل أطفالي اليوم؟ كيف أوفر لهم ما يحتاجونه؟ ومتى أستطيع أن أعود إلى العمل وأستعيد شيئًا من قدرتي على إعالة أسرتي؟
جبر نصير
ألم لم يفارقه
يقول جبر إن الألم لا يفارقه، آلام الأعصاب تشتد، والحركة أصبحت أصعب، والجسد الذي كان يساعده على العمل وتأمين احتياجات أسرته لم يعد قادرا على ذلك، لكنه، رغم كل ما يعيشه، لا يتحدث أولا عن ساقه المبتورة ولا عن وجعه الشخصي، بل عن أطفاله.
"والله إن وجع الجوع في عيون أطفالي يؤلمني أكثر من ألم إصابتي"، يقولها جبر وكأنها تختصر حكايته كلها، بالنسبة إلى أب اعتاد أن يرى أبناءه في حاجة فيسارع إلى تلبية احتياجاتهم، يصبح العجز أمام جوعهم وجعا آخر لا يقل قسوة عن الإصابة.
البحث عن حياة أفضل
الأبوة، في نظر جبر، ليست مجرد وجود إلى جوار أطفاله، وإنما القدرة على حمايتهم وإطعامهم ومنحهم الشعور بالأمان، وهي أشياء يشعر اليوم أنه حُرم منها قسرا.
نزوحه إلى غرب غزة لم يكن بحثا عن حياة أفضل، بل محاولة للاستمرار وسط واقع لم يترك له كثيرا من الخيارات، يعيش بالقرب من ملعب فلسطين، بعيدا عن البيت الذي كان يجمع أسرته، وفي مكان يفتقد فيه كثيرا من مقومات الحياة الأساسية، وكل صباح يبدأ بالنسبة إلى جبر بالسؤال نفسه: كيف سيمر هذا اليوم؟
ليس السؤال عن مستقبله الشخصي، ولا عن موعد عودته إلى عمله فقط، بل عن الطعام الذي سيصل إلى أطفاله، واحتياجاتهم التي لا يستطيع تلبيتها، وبينما يواجه هو آلام الإصابة والجلوس الطويل على كرسي متحرك، يراقب وجوه أبنائه ويحاول أن يخفي عنهم خوفه وعجزه.
غيرت الإصابة جسده، لكنها لم تغير غريزته الأولى كأب، ما زال يريد أن يعمل، ويعتمد على نفسه، ويطعم أطفاله من عرقه، ويشعر بأنه قادر على حمايتهم، لكن ساقه المبتورة وآلام الأعصاب والظروف التي يعيشها جعلت أبسط هذه الأمنيات تبدو بعيدة.
ومع ذلك، لا يتحدث جبر بلغة الاستسلام، خلف كلماته المليئة بالألم رغبة واضحة في أن يستعيد حياته، ويحصل على الرعاية التي يحتاجها، ويجد وسيلة تساعده على الحركة والعمل، ويستطيع من جديد أن يكون سندا لأطفاله الأربعة، قصته ليست فقط قصة رجل فقد ساقه في الحرب، بل قصة أب فقد معها قدرته على العمل، وأصبح يشاهد احتياجات أطفاله من موقع العاجز عن تلبيتها.
وفي غزة، حيث لا تقاس آثار الحرب بعدد الجروح وحدها، هناك جراح أخرى لا تظهر في صور المستشفيات، جرح الأب الذي لا يستطيع شراء الطعام لأطفاله، وجرح الأم التي تحاول إخفاء الجوع، وجرح الطفل الذي ينتظر وجبة قد لا تأتي، أما جبر، فيختصر كل ذلك في جملة واحدة " ساقي بُترت.. لكن وجع أطفالي أكبر من وجعي".
وجع أب لا يريد الكثير، لا يريد سوى أن يجد ما يكفي أطفاله من الطعام، ويستعيد قدرته على العمل، ويتوقف عن الشعور بالعجز أمام عيون أربعة أطفال ينتظرون منه ما لم يعد يملك القدرة على منحه.
في حكايته، لا تبدو الساق المبتورة هي الخسارة الأكبر، الخسارة الحقيقية، كما يراها جبر، أن يُصاب الأب بالعجز في الوقت الذي يحتاج فيه أطفاله إليه أكثر من أي وقت مضى.