ليست ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 مجرد تاريخ يتوقف عنده المصريون كل عام لاستعادة مشاهد من الماضي، ولا مجرد حدث سياسي غير نظام الحكم أو نقل السلطة من مرحلة إلى أخرى، وإنما هي لحظة تأسيس كبرى أعادت تعريف الدولة المصرية، ورسخت مفهوم الإرادة الوطنية المستقلة، وفتحت أبوابا واسعة أمام مشروع بناء وطن يملك قراره ويصنع مستقبله بيده، ولهذا، ظلت ثورة يوليو، رغم تعاقب العقود وتغير الأجيال، حاضرة في الوجدان الوطني، باعتبارها إحدى أهم المحطات المؤسسة للدولة الحديثة، لأنها لم تكتف بتغيير الواقع السياسي، بل أحدثت تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، وأرست قناعة راسخة بأن نهضة الأوطان تبدأ من الاستثمار في الإنسان، وجعل المواطن محور التنمية وغايتها.
لقد جاءت ثورة 23 يوليو في لحظة كانت مصر تبحث فيها عن استعادة هويتها الوطنية الكاملة، وعن التحرر من كل صور التبعية والهيمنة، فكان قرارها الأول أن تستعيد الدولة إرادتها، وأن تجعل السيادة الوطنية فوق كل اعتبار فاكتسبت الثورة مكانتها التاريخية، لأنها لم تكتف بإعلان مبادئ سياسية، وإنما حولت هذه المبادئ إلى سياسات ومشروعات وإصلاحات غيرت وجه المجتمع المصري، ورسخت قيم العدالة الاجتماعية، ووسعت فرص التعليم، وأعادت الاعتبار للفئات البسيطة، وأسست لجيش وطني قوي قادر على حماية الأرض والقرار، كما عززت حضور مصر في محيطها العربي والإفريقي والدولي، حتى أصبحت القاهرة مركزا لحركات التحرر الوطني في العالم، وصوتا مدافعا عن حق الشعوب في الاستقلال والكرامة.
وربما يكون الدرس الأهم الذي تركته ثورة يوليو للأجيال المتعاقبة هو أن بناء الدولة عملية مستمرة لا تتوقف عند جيل بعينه، وأن كل مرحلة تاريخية تفرض أدواتها وأولوياتها وتحدياتها، الدول العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي، و إنما تستلهمه لتصنع مستقبلها، ولا تكرر التجارب بحذافيرها، بل تطور الأفكار بما يتناسب مع متغيرات العصر ومن هنا تبدو العلاقة بين ثورة يوليو والجمهورية الجديدة علاقة امتداد في الأهداف، وإن اختلفت الوسائل، فجوهر المشروع الوطني ظل واحدا؛ دولة قوية، مستقلة، قادرة على حماية أمنها القومي، وتحقيق التنمية، وصيانة كرامة مواطنيها.
إن ما تشهده مصر اليوم من مشروعات قومية غير مسبوقة، وتحديث شامل للبنية الأساسية، وتوسع عمراني يغير الخريطة الجغرافية للدولة، وإنشاء مدن جديدة، وتطوير شبكات الطرق والموانئ، والاستثمار في الطاقة والصناعة والزراعة، والاهتمام ببناء الإنسان من خلال التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، يمثل مرحلة جديدة من مراحل بناء الدولة المصرية، تستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، وتؤكد أن التنمية أصبحت قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن حماية الحدود والدفاع عن الوطن.
لم يعد مفهوم القوة في عالم اليوم مقصورا على امتلاك السلاح، وإنما أصبح مرتبطا بقدرة الدولة على بناء اقتصاد قوي، وإدارة مواردها بكفاءة، وتوفير حياة كريمة لمواطنيها، ومواكبة التطور التكنولوجي، وصناعة المعرفة، وامتلاك بنية تحتية قادرة على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة، والجمهورية الجديدة تمثل رؤية شاملة لبناء دولة حديثة، تعتمد على التخطيط العلمي، وتوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وتحافظ في الوقت نفسه على ثوابتها الوطنية ومصالحها الاستراتيجية.
وإذا كانت ثورة يوليو قد خاضت معركة التحرر الوطني في مواجهة الاحتلال والتبعية، فإن معركة هذا العصر هي معركة البناء والتنمية وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات العالمية والمتغيرات الإقليمية المتسارعة، العالم يشهد تحولات اقتصادية وسياسية غير مسبوقة، والدول التي لا تمتلك رؤية واضحة للمستقبل تصبح أكثر عرضة للتحديات ولهذا، يصبح تماسك الدولة، ووعي المجتمع، واستمرار العمل الجاد، شروطا أساسية للحفاظ على ما تحقق والانطلاق نحو آفاق أوسع من التقدم.
إن الاحتفاء بذكرى ثورة 23 يوليو هي فرصة للتأمل في معاني التضحية والانتماء والمسؤولية الوطنية، كل جيل له معركته، ولكل مرحلة أولوياتها، لكن الثابت الذي لا يتغير هو أن مصر لا تبنى إلا بسواعد أبنائها، ولا تتقدم إلا عندما تتوحد الإرادة الوطنية حول هدف واحد، هو الحفاظ على الدولة وتعزيز قدراتها وتحقيق تطلعات شعبها.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تعرف قيمة مؤسساتها وتحافظ على تماسكها هي الأقدر على تجاوز الأزمات وصناعة المستقبل ومصر، بما تمتلكه من حضارة عريقة وشعب واعي ومؤسسات وطنية راسخة، قادرة على مواصلة مسيرة البناء بثقة وثبات، وكما نجحت ثورة يوليو في تأسيس مرحلة جديدة من تاريخ الوطن، فإن الجمهورية الجديدة تمثل اليوم محطة أخرى في مسيرة الدولة المصرية، عنوانها التنمية الشاملة، وبناء الإنسان، وترسيخ دولة عصرية قوية، تواكب تحديات الحاضر وتستعد لمتطلبات المستقبل.
إن الأوطان لا تعيش بالحنين وحده، وإنما بالعمل والإنتاج والإخلاص ولذلك فإن أفضل وفاء لثورة الثالث والعشرين من يوليو هو استكمال رسالتها بروح العصر، والإيمان بأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاستقلال والتنمية، وبين العدالة والكفاءة، وبين التاريخ والمستقبل، وهكذا تبقى ثورة 23 يوليو صفحة مضيئة في سجل الوطن، باعتبارها قيمة متجددة تؤكد أن مصر، كلما واجهت تحديا، امتلكت من الإرادة ما يجعلها قادرة على صناعة بداية جديدة، وأن رحلة البناء التي بدأت قبل عقود لا تزال مستمرة، تحملها أجيال متعاقبة تؤمن بأن هذا الوطن يستحق دائما الأفضل.