من دواوين الحكم إلى معامل الطب.. حكاية نخب قبطية صنعت حضورها فى تاريخ مصر.. من إدارة المال ومجالات التاريخ واللغة والفلك والعلوم إلى صناعة الوعى الوطنى.. وبطرس غالى يترأس الحكومة ومجدى يعقوب ملك قلوب العالم

الجمعة، 18 سبتمبر 2026 09:00 ص
من دواوين الحكم إلى معامل الطب.. حكاية نخب قبطية صنعت حضورها فى تاريخ مصر.. من إدارة المال ومجالات التاريخ واللغة والفلك والعلوم إلى صناعة الوعى الوطنى.. وبطرس غالى يترأس الحكومة ومجدى يعقوب ملك قلوب العالم حكاية نخب قبطية صنعت حضورها في تاريخ مصر

كتب: محمد الأحمدى

لا تختزل مساهمة الأقباط فى التاريخ المصرى فى المجال الكنسى أو الدينى وحده، فصفحات التاريخ العام لمصر تحمل أسماء عشرات الشخصيات القبطية التى شاركت فى إدارة الدولة، وتطوير الطب والتعليم، وصناعة الصحافة، والحركة الوطنية، وأسهمت في بناء مؤسسات حديثة امتد تأثيرها إلى المجتمع المصري بأكمله.

 

وعلى امتداد عصور مختلفة، ظهر أقباط في مواقع الإدارة والمالية والطب والثقافة والسياسة، بعضهم عمل داخل دواوين الحكم، وبعضهم أسهم في تطوير المؤسسات التعليمية والطبية، فيما انخرط آخرون في الحركة الوطنية المصرية والدفاع عن الاستقلال والوحدة الوطنية.

 

وتكشف قراءة هذا التاريخ أن الحضور القبطي في الحياة المصرية لم يكن محصورًا فى أروقة الكنائس، وإنما كان جزءًا من حركة المجتمع والدولة، في مراحل مختلفة شهدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى.

 

دهاقنة الدواوين.. الأقباط في إدارة المال والضرائب

وذكر كتاب قصة الكنيسة القبطية لإيريس حبيب المصرى الذى يدون تاريخ الكنيسة على 9 أجزاء منذ قدوم القديس مارمرقس الرسول وانتشار المسيحية فى مصر إلى عصر قداسة البابا شنودة الثالث الراحل، مؤكدا أن الأقباط ارتبطوا تاريخيًا بأعمال الكتابة والحساب وإدارة الدواوين، وهي أدوار تعود إلى عصور مبكرة من التاريخ المصري، واستمرت بأشكال مختلفة في العصور الإسلامية.

 

ومع تطور الجهاز الإداري للدولة، برز عدد من الموظفين والكتاب الأقباط الذين عملوا في دواوين الخراج والمالية والإدارة، مستفيدين من خبرات متراكمة في الحساب والكتابة وتنظيم السجلات.

 

وفي العصر المملوكي ثم العثماني، استمر حضور الأقباط في الوظائف المالية والإدارية، قبل أن يصل هذا الدور إلى مرحلة بارزة خلال القرن الثامن عشر مع شخصيات مثل المعلم إبراهيم الجوهري، الذي أصبح واحدًا من أشهر رجال الإدارة والمال في مصر.

 

وتولى الجوهري منصبًا رفيعًا في جهاز الدولة، واشتهر بنفوذه الإداري وثروته الكبيرة وأعماله الخيرية، كما ارتبط اسمه ببناء الكنائس والمنشآت وإقامة الأوقاف وأعمال البر.

 

وتكشف سيرته عن نموذج مختلف لدور الموظف القبطي في مصر؛ فالرجل لم يكن مجرد موظف داخل جهاز الدولة، وإنما تحول إلى شخصية عامة ذات تأثير اقتصادي واجتماعي، واستطاع توظيف مكانته وثروته في أعمال امتد أثرها إلى المجتمع.

 

من الترجمة إلى المستشفى.. الأقباط والطب في مصر

لم تبدأ علاقة الأقباط بالعلوم الطبية في العصر الحديث، إذ ارتبط عدد من المسيحيين المصريين بحركة الترجمة والعلوم في الحضارة الإسلامية، إلى جانب علماء وأطباء من خلفيات مختلفة.

 

ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخ الطب في الحضارة الإسلامية يوحنا بن ماسويه، الذى كان من أبرز الأطباء والمترجمين في العصر العباسي، وأسهم في نقل مؤلفات طبية إلى العربية، إلا أن نسبة كل تطور فى البيمارستانات أو نظم العزل الصحي إلى الأقباط وحدهم تحتاج إلى تدقيق تاريخي؛ فهذه الإنجازات كانت نتاجًا لتفاعل علماء وأطباء من خلفيات متعددة.

 

وفي العصر الحديث، تبرز تجربة الطبيب المصري نجيب محفوظ باشا، أحد أبرز رواد طب النساء والتوليد في مصر خلال القرن العشرين.

 

وارتبط اسمه بتطوير هذا التخصص في مصر، وبعمله في قصر العيني، كما كان له دور بارز في التعليم الطبي والتدريب والبحث العلمي.

 

وتحمل سيرته جانبًا إنسانيًا لافتًا؛ إذ ارتبط اسمه أيضًا بولادة الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، الذي حمل اسمه تقديرًا للطبيب الذى أشرف على ولادته وأنقذ حياة والدته.

 

مجدي يعقوب.. الطب المصري إلى العالمية

وفي العصر الحديث، يبرز اسم الجراح المصري العالمي مجدي يعقوب، الذي أصبح واحدًا من أشهر جراحي القلب في العالم.

 

وبعد مسيرة طويلة في مجال جراحات القلب، ارتبط اسمه بمؤسسة طبية وبحثية في أسوان تقدم خدمات علاجية مجانية للمرضى، إلى جانب العمل البحثي والتدريب الطبي.

 

وأصبح المشروع نموذجًا لمفهوم مختلف في العمل الطبي، يقوم على الجمع بين العلاج والبحث العلمي وتدريب الكوادر الطبية، مع إتاحة الخدمة للمرضى دون النظر إلى قدرتهم الاقتصادية.

 

وهنا يتجاوز أثر الطبيب حدود إنجازاته العلمية الفردية إلى تأسيس مؤسسة تحمل مشروعًا طبيًا وإنسانيًا ممتدًا.

 

ابن الراهب وابن كبر.. حين أصبح العلم وسيلة لحفظ الذاكرة

لم يقتصر الحضور القبطي في التاريخ المصري على الإدارة والطب، وإنما امتد إلى مجالات التاريخ واللغة والفلك والعلوم.

 

ويأتي أبو الشاكر بن الراهب ضمن أبرز العلماء الأقباط في القرن الثالث عشر، وترك مؤلفات في التاريخ والحساب والفلك والتقويم، تمثل أهمية للباحثين في دراسة الفكر القبطي في العصور الوسطى.

 

كما يبرز شمس الرياسة أبو البركات ابن كبر، الذي عاش في العصر المملوكي، وكان كاهنًا وعالمًا ولاهوتيًا وكاتبًا، وارتبط اسمه بكتاباته في اللغة والطقوس والتاريخ القبطي.

 

وتكشف أعمال هؤلاء عن جانب مهم من التاريخ المصري؛ وهو أن حفظ الذاكرة لم يكن مهمة المؤرخين وحدهم، بل شارك فيه علماء ورجال دين وكتاب من اتجاهات متعددة، أسهموا في نقل المعرفة وتسجيل تفاصيل الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية.

 

بطرس غالى.. من دواوين الدولة إلى رئاسة الحكومة

مع بدايات الدولة المصرية الحديثة، انتقل الحضور القبطي إلى مستوى أكثر وضوحًا في مؤسسات الحكم والسياسة.

 

ويأتي بطرس غالي باشا في مقدمة هذه الشخصيات، بعدما شغل عددًا من المناصب الحكومية المهمة، بينها وزارة المالية ووزارة الخارجية، قبل أن يتولى رئاسة النظار، أي رئاسة الحكومة، عام 1908.

 

وكان وصوله إلى رئاسة الحكومة مؤشرًا على حضور الشخصيات القبطية في قمة الجهاز التنفيذي للدولة في تلك المرحلة.

 

لكن نهايته جاءت مأساوية، إذ اغتيل عام 1910 على يد إبراهيم الورداني، في حادثة سياسية تركت أثرًا كبيرًا في الحياة العامة المصرية.

 

وتظل سيرته واحدة من الصفحات المهمة في تاريخ العلاقة بين السياسة والهوية الوطنية في مصر خلال مطلع القرن العشرين.

 

مكرم عبيد.. قبطى حمل خطاب الوحدة الوطنية

بعد سنوات قليلة، جاءت ثورة 1919 لتقدم نموذجًا أكثر وضوحًا لفكرة الوطنية المصرية الجامعة، وكان مكرم عبيد باشا واحدًا من أبرز السياسيين الأقباط في الحركة الوطنية، وأحد قيادات حزب الوفد، كما تولى وزارة المالية.

 

لم يقدم مكرم عبيد نفسه في المجال السياسي باعتباره ممثلًا لطائفة، وإنما باعتباره سياسيًا مصريًا داخل الحركة الوطنية، وهو ما جعل خطابه جزءًا من خطاب الدولة الوطنية في تلك المرحلة.

 

وارتبط اسمه بمقولات وطنية شهيرة، من بينها العبارة التي أصبحت من أكثر العبارات تداولًا في الحديث عن الهوية المصرية: «مصر ليست وطن نعيش فيه بل وطن يعيش فينا».

 

وتكشف تجربة مكرم عبيد عن أهمية ثورة 1919 في إعادة صياغة مفهوم المواطنة السياسية في مصر، عندما خرج المسلمون والأقباط في إطار حركة وطنية واحدة ضد الاحتلال البريطاني.

 

حبيب جرجس.. التعليم بوابة الإصلاح

وفي المجال التعليمى، يبرز اسم الأرشيدياكون حبيب جرجس، الذى ارتبط اسمه بتطوير التعليم الكنسى وإنشاء المدارس وإعداد المعلمين.

 

وأدرك جرجس مبكرًا أن الإصلاح لا يمكن أن ينفصل عن التعليم، فعمل على إنشاء مؤسسات تعليمية وتطوير المناهج وإعداد كوادر قادرة على نقل المعرفة.

 

وتكشف تجربته عن أحد التحولات المهمة التي شهدها المجتمع المصري خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث أصبحت المدرسة والصحافة والطباعة أدوات رئيسية في تشكيل الوعي العام.

 

جورجى زيدان.. الصحافة التي صنعت وعيًا تاريخيًا

وفى عالم الصحافة والثقافة، يصعب تجاوز تجربة جورجي زيدان، المؤرخ والكاتب والصحفي اللبناني الأصل الذي عاش وعمل في مصر، وأسس مجلة الهلال عام 1892.

 

وتكتسب تجربة زيدان أهمية خاصة لأنها توضح أن تاريخ الثقافة والصحافة المصرية لم يكن نتاجًا لمجموعة مغلقة من الشخصيات، بل تشكل من خلال تفاعل واسع بين المصريين وغيرهم من المثقفين الذين اختاروا مصر مركزًا للعمل والإبداع.

 

ومن خلال الهلال وكتاباته التاريخية والأدبية، أسهم زيدان في نشر المعرفة التاريخية والأدب بين شرائح واسعة من القراء، وأصبح أحد أبرز رموز الصحافة الثقافية العربية الحديثة.

 

من الكنيسة إلى الدولة.. تاريخ أوسع من الصورة التقليدية

تكشف هذه النماذج أن قراءة التاريخ القبطي لا ينبغي أن تتوقف عند تاريخ الكنيسة وباباواتها وأساقفتها ورهبانها، رغم أهمية هذا الجانب، وإنما يجب أن تمتد إلى التاريخ المصري العام؛ حيث الإدارة والاقتصاد والطب والسياسة والتعليم والصحافة.

 

فالمعلم إبراهيم الجوهري يمثل نموذج رجل الإدارة، ونجيب محفوظ نموذج الطبيب الذي أسهم في تأسيس مدرسة طبية حديثة، ومجدي يعقوب نموذج للعالم المصري الذي وصل بالطب المصري إلى العالمية، بينما يمثل بطرس غالي ومكرم عبيد حضور الأقباط في قلب الحياة السياسية، ويجسد حبيب جرجس وجورجي زيدان جانبًا من حركة التعليم والثقافة والصحافة.

 

لكن الأهم أن هذه الشخصيات لا ينبغي تقديمها باعتبارها قائمة من «الإنجازات القبطية» المنفصلة عن التاريخ المصري، وإنما باعتبارها جزءًا من تاريخ مصر المشترك؛ فالمؤسسات التي شاركوا في بنائها كانت مؤسسات مصرية، والعلوم التي طوروها استفاد منها المصريون جميعًا، والمعارك الوطنية التي خاضها بعضهم كانت مرتبطة بمشروع الدولة المصرية الحديثة.

 

وهنا تصبح دراسة هذه السير أكثر من مجرد استعادة لأسماء من الماضي؛ إنها محاولة لفهم كيفية تشكل الدولة المصرية الحديثة، وكيف شاركت فيها نخب متعددة الخلفيات، تركت آثارًا تجاوزت انتماءاتها الدينية والاجتماعية لتدخل في صميم الذاكرة الوطنية المصرية.

 

فالتاريخ، في النهاية، لا تصنعه المؤسسات الدينية وحدها، ولا الحكومات وحدها، وإنما تصنعه أيضًا العقول التي تعمل داخل المجتمع، وتترك وراءها مؤسسات وعلومًا وأفكارًا تستمر بعد رحيل أصحابها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة