لم تكن شمس الصباح زمان مجرد ضوء يطرد عتمة الليل، بل كانت إذاناً ببدء معزوفة إنسانية فريدة، تضبط إيقاعها القلوب قبل الساعات.
في ذلك الزمن الجميل، لم يكن الصباح يبدأ من شاشات الهواتف الباردة، بل كان يولد من رحم التفاصيل الدافئة؛ حيث يمتزج عبير القهوة المطحونة بعبق المودة المتبادلة، لتكتب البيوت بجرتها الطيبة حكاية عنوانها: "من ريحة البن.. لـ طبق الجار".
تبدأ الحكاية مع أولى نفحات الفجر، حين تنبثق "ريحة البن" لتعلن أن في البيت حياً يرزق، وأن الأمل متجدد.
كانت تلك الرائحة بمثابة المايسترو الخفي الذي يوقظ الحارة؛ تتسلل من الشقوق الخشبية للشبابيك الشيش، وتداعب أنوف الجيران كدعوة صامتة لتبادل السلام.
في مصر، لم يكن البن مجرد مزاج ينشد العزلة، بل كان حالة من "البناء" الإنساني، فبينما يغلي البن في "الكنكة" النحاسية، كان الود يغلي في الصدور، لتذوب مع السكر المزبوط كل خلافات الأمس، ويصبح فنجان الصباح ركيزة يعتدل بها مزاج اليوم بأكمله.
ولأن البهجة في الثقافة المصرية لا تكتمل إلا إذا اقتسمها الأحبة، كان "طبق الجار" هو الفصل الأجمل في رواية كل صباح.
ما إن يوضع الفطور على الطبلية، حتى تجد الأمهات يقتطعن منه نصيباً ليرسلنه مع أحد الأطفال إلى الجار الملاصق، كان طبقاً طوافاً، لا يستقر في بيت حتى يمتلئ بالخير ويعود إلى صاحبه؛ فاليوم يحمل الفول الساخن بالزيت الحار، وغداً يعود بقطع من الفطير المشلتت أو الجبن القديم.
لم تكن هذه العادة مجرد تبادل للطعام، بل كانت "تأميناً اجتماعياً" بالحب، وتأكيداً على أن الشبع لا يكتمل إلا إذا شبع الجدار قبل الدار.
كان يتحول الطعام إلى رسائل غرام اجتماعية، تجعل الجار قريباً كأخ، وحامياً كحصن.
اليوم، تغيرت الملامح؛ انزوى البن في كبسولات سريعة التحضير داخل آلات صامتة، وانكفأ كل منا على فنجانه في شرفة معزولة خلف زجاج الألوميتال، واختفى "طبق الجار" خلف أبواب مصفحة لا تفتح إلا لعمال الدليفري.
فقدت الصباحات بعضاً من سحرها الطازج، وصارت البيوت تفتقد تلك المسامات التي كانت تمرر المحبة بلا استئذان.
إن العودة إلى تلك الطقوس ليست ارتداداً للماضي، بل هي استدعاء لروح النبل المصرية، وتذكير بأن بهجة البيوت لا تصنعها الفخامة، وإنما تصنعها ريحة بن تجمع الأحبة، وطبق جار يداوي غربة الأيام.