من اعتقال مادورو إلى تهديد كوبا وصولاً إلى برنامج لولا السيادي.. كيف يواجه اليمين المتطرف المدعوم أمريكياً قوى المقاومة في أمريكا اللاتينية في معركة الهيمنة الجديدة؟.. والقارة تطوى صفحة المد الوردى بعد عقدين

الجمعة، 14 أغسطس 2026 03:00 ص
من اعتقال مادورو إلى تهديد كوبا وصولاً إلى برنامج لولا السيادي.. كيف يواجه اليمين المتطرف المدعوم أمريكياً قوى المقاومة في أمريكا اللاتينية في معركة الهيمنة الجديدة؟.. والقارة تطوى صفحة المد الوردى بعد عقدين رئيس كولومبيا الجديد

فاطمة شوقي

تشهد أمريكا اللاتينية تحولاً جيوسياسياً عميقاً، أعاد إلى الأذهان هيمنة عقيدة مونرو التي طالما اعتبرت المنطقة "فناءً خلفياً" للولايات المتحدة. ففي مشهد متسارع، يترافق صعود اليمين المتطرف في عدة دول مع حملة أمريكية مكثفة لإعادة فرض النفوذ، تستهدف بوضوح حكومات اليسار والاستقلالية، وعلى رأسها فنزويلا وكوبا و البرازيل، في محاولة لطي صفحة "المد الوردي" التي شهدتها المنطقة لعقدين.

 

صعود اليمين.. موجة إقليمية أم مشروع أمريكي؟

لم يعد صعود اليمين في أمريكا اللاتينية مجرد "تأرجح للبندول" السياسي، بل تحول إلى ظاهرة إقليمية منظمة. ففي كولومبيا، تولى اليميني المتطرف أبيلاردو دي لا إسبرييلا الرئاسة، متعهداً "هزيمة الإرهاب" وقطع الحوار مع الجماعات المسلحة، ومعلناً انضمام بلاده لحلف "درع الأمريكتين" الذي تقوده واشنطن، وفي تشيلي، تولى خوسيه أنطونيو كاست، وهو من أشد اليمين، منصبه كأكثر رئيس يميني منذ 30 عاماً. كما فازت اليمينية كيكو فوجيموري في بيرو، وتم تمديد حكم الرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير مايلي.

ويرى محللون أن هذا التحول ليس مجرد رد فعل على إخفاقات اليسار في معالجة الأزمات الاقتصادية والأمنية، بل هو ثمرة تدخل أمريكي منهجي. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، انتهجت واشنطن استراتيجية "الترامبية الجديدة" (Trumpismo)، القائمة على "الضرب بيد من حديد" لإعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة. وتتجلى هذه الاستراتيجية في دعم علني وتمويل للقوى اليمينية، وتدخل في الانتخابات، كما حدث في البرازيل حيث هدد ترامب بفرض رسوم جمركية لإجبار القضاء على وقف محاكمة الرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو، وفي هندوراس حيث هدد بقطع المعونات لدعم مرشح اليمين.

 

"درع الأمريكتين": إحياء لمونروية جديدة

تجسد قمة "درع الأمريكتين" (Shield of the Americas) التي عقدت في مارس 2026 في ميامي، ذروة هذا التوجه. جمعت القمة 12 دولة يمينية لمناقشة "الأمن" و"مكافحة المخدرات"، لكن حقيقتها كانت إنشاء تحالف إقصائي يستهدف عزل الصين وروسيا، وتأمين الموارد الحيوية للمنطقة، وعلى رأسها "مثلث الليثيوم" في الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي. هذا التحالف لم يدعُ دولاً يسارية كبرى مثل البرازيل والمكسيك، ويُعد إعلاناً صريحاً عن "عقيدة مونرو" الجديدة التي ترفض أي وجود لأطراف خارجية في ما تعتبره واشنطن "حديقتها الخلفية".

 

فنزويلا وكوبا.. هدفان استراتيجيان

في قلب هذه المواجهة تقف فنزويلا وكوبا، كرمزين للمقاومة ضد الهيمنة الأمريكية، وهما ما تسميه واشنطن "محور المقاومة" أو "الثلاثي المعادي" مع نيكاراجوا.

شكلت العملية العسكرية الأمريكية في يناير 2026، التي أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، نقطة تحول دراماتيكية. لم تكن هذه العملية مجرد اعتقال، بل كانت رسالة ترهيب واضحة لكل حكومات المنطقة مفادها: "اليوم فنزويلا، وقد تكون أي دولة أخرى غداً". وقد خلقت هذه الضربة "تأثيراً مروعاً" (Chilling Effect) هزَّ ثقة القادة المستقلين وأجج مخاوفهم الوجودية.

أما كوبا، التي تعاني بالفعل من حصار خانق، فإن هذا التصعيد يهدد وجودها، حيث تسعى إدارة ترامب جاهدة لتطبيق نموذج فنزويلا عليها، سعياً لإسقاط نظامها أو إجباره على تقديم تنازلات كبرى، خاصة فيما يتعلق بطرد النفوذ الروسي والصيني من الجزيرة، وفقاً لتقارير صحفية نشرتها نيويورك تايمز مؤخراً.

 

البرازيل.. حجر عثرة في طريق المشروع الأمريكى

في خضم هذا المد اليميني، تبرز البرازيل كاستثناء حاسم، حيث يواصل الرئيس لولا دا سيلفا التمسك بخطاب السيادة والاستقلال، رافضاً الانصياع للضغوط الأميركية.

فقد قدم لولا برنامجه الانتخابي للعام 2026، الذي جعل من الدفاع عن السيادة الوطنية أحد محاوره الرئيسية في مواجهة الولايات المتحدة، متعهداً بالحفاظ على الإطار المالي الحالي ومطالباً بإصلاح نظام التعديلات البرلمانية. وجاء الإعلان في وقت تشهد فيه العلاقات البرازيلية الأميركية توتراً متصاعداً، بسبب الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على المنتجات البرازيلية والعقوبات التي استهدفت مسؤولين برازيليين.

ويؤكد البرنامج الانتخابي، الذي يحمل عنوان "مبادئ توجيهية لبرنامج تحويل البرازيل: بلد ذو سيادة، ديمقراطي، مستدام ومبدع"، على رفض أي محاولة لإخضاع البرازيل لمصالح أجنبية. وجاء في الوثيقة المكونة من 13 فصلاً و84 صفحة: "سنعارض بشدة أي محاولة لإخضاع البرازيل لمصالح أجنبية أو لتقليص بلدنا إلى موقع تبعية جيوسياسية. نرفض رؤية أولئك الذين يقبلون، بخنوع، التخلي عن السيادة الوطنية باسم محاذاة تلقائية وأيديولوجيات فاشلة".

 

أبرز ما جاء في برنامج لولا الاقتصادي:

- خفض أسعار الفائدة: يتعهد البرنامج بالجمع بين المسؤولية المالية وخفض أسعار الفائدة، ومكافحة التضخم، وزيادة الإنتاجية، وتحفيز الاستثمارات.
- الحفاظ على الإطار المالي الجديد: الذي سيطر على نمو الإنفاق دون الإضرار بالسياسات الاجتماعية، وسمح بتخفيض كبير في العجز الأولي من حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 0.4% في عام 2026.
- إصلاح نظام التعديلات البرلمانية: الذي وصفته وثيقة حزب العمال بـ"الاختلال الخطير"، حيث بلغت هذه المخصصات 50 مليار ريال برازيلي (حوالي 9 مليارات دولار) في عام 2026، أي ما يعادل نحو ربع الإنفاق التقديري للسلطة التنفيذية.
- سياسات ضريبية وإصلاحات اجتماعية: تشمل زيادة العبء الضريبي على كبار المكلفين، وتوسيع الإعفاءات من ضريبة الدخل، وإصلاح الضريبة على الاستهلاك.

 

انقسامات إقليمية ورهانات مستقبلية

ورغم حملة الضغوط، لم تنجح واشنطن في توحيد الصفوف خلفها. فقد أظهر الرد على اعتقال مادورو انقساماً حاداً: فبينما انضمت الحكومات اليمينية إلى الموقف الأمريكي أو التزمت الصمت، أدانت الحكومات اليسارية والوسطية مثل تشيلي والبرازيل والمكسيك وهندوراس وكوبا العملية بشدة، وأكدت تمسكها بمبادئ السيادة وعدم التدخل.
وتظل البرازيل، بقيادة لولا، حجر عثرة أمام المشروع الأمريكي، حيث تسعى للحفاظ على استقلاليتها وتطوير علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، رغم الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية المتزايدة.

 

صراع السيادة والتبعية

في هذا السياق، يبقى السؤال الأهم: هل سينجح "اليمين الجديد" المدعوم أمريكياً في ترسيخ نظام إقليمي تابع لواشنطن، أم أن الموجة الحالية هي مجرد مرحلة عابرة في صراع طويل بين مشاريع السيادة والتبعية؟

ما هو مؤكد أن فنزويلا وكوبا، رغم الضغوط، ستظلان رمزاً لهذا الصراع، واختباراً حقيقياً لقدرة أمريكا اللاتينية على رسم مستقبلها بعيداً عن وصاية الشمال. وفي قلب هذا المشهد، تظل البرازيل بقيادة لولا تمثل نموذجاً للمقاومة السلمية من خلال صناديق الاقتراع، في مواجهة مشروع يهدف إلى إعادة المنطقة إلى عصر الهيمنة الأحادية.

 

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة