في صيف هو الأكثر حراً في تاريخ القارة العجوز، تشهد أوروبا موجة خامسة من الحرائق والجفاف، مع خسائر اقتصادية فادحة تجاوزت 43 مليار يورو في عام 2025 وحده، وسط تحذيرات من أن الطبقة العاملة هي من تدفع الثمن الأكبر.
فبينما تحقق شركات النفط العملاقة أرباحاً خيالية تبلغ 700 ألف دولار في الدقيقة، يجد العمال أنفسهم في خطوط المواجهة الأولى لتغير المناخ، مع انهيار المحاصيل، وشلل الصناعات، وارتفاع درجات الحرارة في أماكن العمل إلى مستويات تهدد حياتهم. هذا التقرير يستعرض التكلفة البشرية والاقتصادية لأزمة المناخ في أوروبا، ويسلط الضوء على من يدفع الفاتورة الحقيقية لهذه الكارثة.
خسائر بشرية غير مسبوقة
كشفت التقارير الرسمية عن حصيلة مروعة للخسائر البشرية الناجمة عن موجات الحر في أوروبا هذا الصيف، حيث سجلت ألمانيا وحدها 11,900 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة حتى يوليو، بينما تجاوزت حصيلة فرنسا 5,700 حالة وفاة. وتتجه الأنظار الآن إلى شرق القارة، حيث تسجل سلوفاكيا والنمسا والمجر درجات حرارة قياسية تتجاوز 40 درجة مئوية.
كارثة زراعية واقتصادية
الخسائر الزراعية وحدها بلغت حوالي 2 مليار يورو مع فقدان 9 ملايين طن من الحبوب، وتصدرت فرنسا والمجر وإسبانيا قائمة الدول الأكثر تضرراً. ولم تقتصر الأزمة على القطاع الزراعي، إذ أدى جفاف نهر الراين إلى تراجع مستويات المياه إلى أدنى مستوياتها التاريخية، مما أجبر البوارج على تقليل حمولتها بنسبة تصل إلى 80%، وتسبب في تراجع إنتاج شركة تيسنكروب للصلب، مع تحذيرات دويتشه بنك من أن الاضطرابات قد تكلف ألمانيا 0.2% من نمو ناتجها المحلي.
تأثيرات على قطاع الطاقة والإنتاج
أدى انخفاض منسوب المياه إلى تعقيد عمليات تبريد المفاعلات النووية، وإجبار محطات الطاقة على التوقف، كما تراجع إنتاج محطات الغاز بنسبة 7-12% في الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة. وفي بولندا، اضطرت محطات كوزينيتسي وبوانيتس للفحم إلى الإغلاق بسبب انخفاض منسوب نهر فيستولا.
معاناة العمال والطبقة العاملة
تتحمل الطبقة العاملة العبء الأكبر من هذه الأزمة، إذ تؤثر الحرارة على إنتاجية العمال في المصانع، ومواقع البناء، والمزارع، وقطاع التوصيل. وتشير الإحصاءات الألمانية إلى زيادة في الإجازات المرضية بنسبة 3.5% عندما تتجاوز الحرارة 30 درجة، و6% خلال موجات الحر الطويلة.
وفي فرنسا، تم تسريح 150 ألف عامل في إطار برامج حكومية، بينما نزح 500 ألف شخص مؤقتاً مع تدمير آلاف المنازل والمزارع.
خسائر مالية فادحة
قدّر معهد Prognos الألماني خسائر البلاد المرتبطة بالمناخ بنحو 6.32 مليار يورو في أسبوعين فقط من يونيو، ولا تشمل هذه التقديرات ارتفاع أسعار الطاقة، أو تعطل الآلات، أو الأضرار طويلة الأجل في البنية التحتية. وأشارت منظمة Bruegel إلى أن الخسائر الاقتصادية المباشرة في الاتحاد الأوروبي بين عامي 1980 و2024 بلغت 822 مليار يورو، مع تركز ربع هذه الخسائر في السنوات الأربع الأخيرة فقط.
وتوقع بنك أوروبا المركزي أن يصل تأثير المناخ على الناتج الاقتصادي إلى 0.8% سنوياً بحلول عام 2029، مع خسائر متوقعة تبلغ 126 مليار يورو.
أرباح النفط مقابل معاناة الشعوب
في تناقض صارخ، حققت شركات النفط الثماني الكبرى أرباحاً تجاوزت 90 مليار دولار في الربع الأول من هذا العام، بمعدل 700 ألف دولار في الدقيقة. وتشير تقديرات أوكسفام إلى أن فرض ضريبة 50% على أرباح شركات النفط العالمية البالغ عددها 585 شركة كان سيجمع 400 مليار دولار سنوياً، وهو ما يكفي لتمويل تكاليف التكيف مع المناخ في دول الجنوب العالمي حيث يعيش 88% من سكان العالم.
دعوات للتغيير
وسط هذه الأزمة، بدأت تظهر أصوات احتجاجية، حيث أعلن أكثر من 1,500 سائق حافلة في شمال لندن إضراباً عن العمل لمدة 26 يوماً للمطالبة بظروف عمل آمنة، بعد أن تجاوزت درجات الحرارة في كابيناتهم 40 درجة، بينما ترفض شركة أريفا التي تحقق أرباحاً تشغيلية بـ127 مليون يورو تحسين أنظمة التكييف.
ويؤكد المحللون أن الحل لا يكمن في سياسات التكيف الهزيلة، فالإنفاق الحكومي على التكيف المناخي في الاتحاد الأوروبي لا يتجاوز 29 مليار يورو سنوياً، أي أقل من نصف المبلغ الذي تقدره المفوضية الأوروبية بـ70 مليار يورو سنوياً كحد أدنى للاحتياجات الفعلية.