شكلت ثورة 30 يونيو 2013 نقطة تحول فارقة في تاريخ تنظيم الإخوان الإرهابي، ليس فقط لأنها أنهت تجربة الجماعة الإرهابية في الحكم بعد عام واحد من وصولها إلى السلطة، وإنما لأنها فتحت الباب أمام سلسلة من التحولات الداخلية والخارجية التي غيرت شكل التنظيم وأضعفت تماسكه بصورة غير مسبوقة.
فقدان النفوذ السياسي
خلال السنوات التي أعقبت عزل محمد مرسي، وجدت الجماعة الإرهابية نفسها أمام تحديات متراكمة أدت إلى فقدانها النفوذ السياسي الذي اكتسبته خلال سنوات ما بعد 2011، كما أدت إلى تصدع بنيتها التنظيمية ودخولها في أزمات داخلية لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
في أعقاب أحداث 30 يونيو، راهنت الجماعة الإرهابية على قدرتها على استعادة المشهد السياسي من خلال الحشد المستمر والاحتجاجات المتواصلة، إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت تراجع قدرتها على التأثير في الشارع المصري، ومع مرور الوقت، انتقلت الإخوان الإرهابية من موقع الفاعل السياسي إلى حالة من الدفاع عن البقاء التنظيمي، خاصة بعد الضربات التي تعرضت لها هياكلها القيادية والتنظيمية.

الإخوان
تصاعد الخلافات الداخلية
وكان من أبرز التحولات التي شهدتها الجماعة الإرهابية خلال تلك المرحلة تصاعد الخلافات الداخلية بين أجنحتها المختلفة، فبعد سنوات طويلة من الانضباط التنظيمي الصارم، بدأت الانقسامات تظهر إلى العلن، خاصة بين القيادات التاريخية المقيمة خارج مصر وبين قيادات وشباب التنظيم الإرهابي الذين رأوا أن إدارة المرحلة اتسمت بالأخطاء وسوء التقدير، ومع اتساع الخلافات، تحولت الجماعة الإرهابية إلى جبهات متنافسة، لكل منها رؤيته الخاصة بشأن إدارة التنظيم ومستقبله.
وشهدت الجماعة الإرهابية خلال السنوات التالية انقساما واضحا بين ما عرف إعلاميا بجبهة القيادة التقليدية المرتبطة بالحرس القديم، وجبهات أخرى طالبت بإعادة هيكلة التنظيم وتغيير أساليب العمل، وتطورت هذه الخلافات لاحقا إلى صراعات علنية حول الشرعية التنظيمية وإدارة الأموال والاستثمارات، الأمر الذي انعكس على تماسك الإخوان الإرهابي وأضعف قدرتها على اتخاذ قرارات موحدة.

الإخوان
اللجوء إلى العنف
كما واجهت الجماعة الإرهابية اتهامات متزايدة باللجوء إلى العنف بعد عام 2013، حيث تم ضبط عدد من الخلايا المرتبطة بعناصر إخوانية واتهمتها بالتورط في أعمال عنف واستهداف منشآت ومؤسسات عامة، وبالتزامن مع ذلك، تعرض عدد كبير من قيادات الجماعة الإرهابية للملاحقات القضائية، وتم القبض على شخصيات بارزة كانت تمثل مراكز ثقل داخل التنظيم، كما صدرت أحكام بحق عدد من القيادات في قضايا مختلفة، بينما هرب آخرون إلى الخارج، ما أدى إلى فراغات تنظيمية متكررة داخل الجماعة الإرهابية وصعوبة إدارة شبكاتها التقليدية كما كان الحال في السابق.
وعلى المستوى الخارجي، واجهت الجماعة الإرهابية تحديات لا تقل صعوبة، حيث شهدت البيئة الإقليمية تغيرات كبيرة أثرت على حضورها السياسي والتنظيمي، خاصة مع تصاعد المخاوف من الجماعات ذات المرجعيات الأيديولوجية العابرة للحدود، واتخذت عدة دول إجراءات مختلفة تجاه التنظيم أو بعض فروعه، واعتبرت بعض الحكومات الإخوان أو كيانات مرتبطة بها تنظيمات إرهابية أو جماعات محظورة، بينما فرضت دول أخرى قيودا على أنشطتها ومؤسساتها.
وأثرت هذه التحولات على قدرة الجماعة الإرهابية على الحركة في عدد من الساحات الإقليمية، كما انعكست على مصادر التمويل وشبكات التواصل التي اعتمدت عليها لعقود طويلة، ومع تراجع المساحات المتاحة للنشاط السياسي والتنظيمي، برزت تحديات جديدة تتعلق بالحفاظ على وحدة التنظيم وإدارة الخلافات الداخلية المتصاعدة.
وخلال السنوات الأخيرة، كشفت التسريبات والخلافات العلنية بين بعض القيادات حجم الأزمة التي تعيشها الجماعة الإرهابية، حيث تبادلت أطراف مختلفة الاتهامات بشأن المسؤولية عن الإخفاقات السياسية والتنظيمية، كما ظهرت نزاعات حول إدارة الموارد المالية والممتلكات التابعة للتنظيم، وهذه الخلافات تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الإخوان الإرهابي وقدرتها على إعادة بناء نفسها في ظل المتغيرات الحالية.
جماعة الإخوان الإرهابية خسرت بعد ثورة 30 يونيو رهانين في آن واحد، الأول كان خسارة السلطة والدولة بعد انتهاء تجربتها في الحكم، والثاني تمثل في تآكل جزء مهم من تماسكها التنظيمي نتيجة الانقسامات والصراعات الداخلية والضغوط الأمنية والإقليمية، وبينما كانت الجماعة الإرهابية تقدم نفسها لعقود باعتبارها التنظيم الأكثر انضباطا وقدرة على البقاء، فإن السنوات التي تلت 30 يونيو كشفت عن تحديات عميقة هزت بنيتها الداخلية وأعادت تشكيل موقعها داخل المشهدين المصري والإقليمي، لتدخل واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخها الممتد منذ تأسيسها عام 1928.