في بيوتنا المعاصرة، تسير الحياة على إيقاع غريب، إيقاع يضج بالصخب الرقمي ويسوده الصمت الإنساني، لقد تحولت المنازل من سكن للمودة والرحمة إلى مجرد محطات انتظار تجمع أجساداً غائبة الأرواح، يجلس الزوج والزوجة على أريكة واحدة، يفصل بينهما شبر من القماش وتفترقهما سنوات ضوئية من العزلة، إنها ظاهرة الخرس الزوجي الرقمي، حيث استبدل الإنسان صوته بـ "نقرة" ونبض قلبه بـ "إيموجي" جامد لا يغني من جوع المشاعر شيئاً.
كنا قديماً نجتمع حول مائدة طعام واحدة، نقتسم الخبز والحكايات، نتشاجر ونتصالح، ونغزل من تفاصيل يومنا البسيطة دفئاً يحمينا من صقيع العالم الخارجي، أما اليوم، فقد تحولت "اللمة" إلى وجود فيزيائي باهت، الكل حاضر في الصورة وغائب في الحقيقة، والجميع متصل بالشبكة العنكبوتية لكنه منفصل تماماً عن أقرب الناس إليه، صرنا نعيش في بيوت مليئة بالبشر لكنها مهجورة من الحكايات، حيث يفضل المرء أن يواسي غريباً على منصات التواصل الاجتماعي، بينما يعجز عن الالتفات لشريك عمره الذي يتقاسم معه ذات الفراش والهموم.
هذه الشاشات الزرقاء التي وعدتنا بتقريب البعيد، مارست بقسوة شديدة لعبة إبعاد القريب، لقد سرقت منا أثمن ما نملك، وهو شغف الإنصات، وعفوية الحديث، ولذة النظر في العيون، ليحل محلها صمت مطبق لا يقطعه إلا رنين الإشعارات، لتتحول العائلات إلى جزر منعزلة يربط بينها خط إنترنت، لا خيط مودة.
إننا لا نواجه مجرد أزمة تكنولوجيا، بل نواجه جفافاً عاطفياً يهدد السلم الأسري، فالخرس الرقمي هو طلاق غير معلن، وانفصال روحي يرتدي قناع الاستقرار، وإذا لم ننتبه ونغلق هذه الشاشات لنفتح قلوبنا، سنستيقظ يوماً لنجد أننا نعيش مع غرباء يجمعنا بهم عقد زواج وفاتورة إنترنت مجانية، بينما انقرضت من بيوتنا أسمى معاني الإنسانية.