حازم حسين

عن الأباتشى وغازات البطن

الخميس، 11 يونيو 2026 02:00 م


لم تنته الحرب؛ إنما جُمِّد خط النار مؤقتا، وما من هُدنةٍ فى التاريخ لم تُختَرَق، ما يعنى أن مناوشات الولايات المتحدة وإيران طبيعية؛ بل هى الأصل ما قبل الحل!

وعليه؛ فلا وجه للتشاؤم باندلاعها فجأة، ولا للتفاؤل أيضًا بانضباطها عند حدود مرعيّة بدقة، وكونها لم تتطوّر إلى مواجهة واسعة، أو بالوتيرة التى عُرِفَت مع فاتحة الجولة فى فبراير.

الوجبة دسمة، والجالسون إلى المائدة قضموا ما يفوق حشوَ أفواههم، ولا ترتاح إليه معداتهم؛ فالهضم مُتعسّر، والمصارين تلتف على بعضها، وقد يُزمجر البطن أو يُطلق أصواتًا بين وقت وآخر!

انصرف ترامب نفسيًّا عن الميدان، وما عاد مُستعدًّا لارتداء قفازات المُلاكمة مُجدّدًا. إنما ضريبة القوّة أن تُلوّح بها دائمًا، وتستخدمها أحيانًا، وألّا تُمرّر صفعةً، مهما بدت ضئيلة وناعمة، من دون ردٍّ ظاهر.

ما يزال سيد البيت الأبيض يتحدّث عن صفقةٍ وشيكة، وما بَدّل الفكرة أو خفّف حماسته لها بعد إسقاط الأباتشى، وعندما أعلن عن سلامة الجُندِّييَن، وعن ضرورة الثأر.

ليست أول خسارة، ولا أكبرها. سبق لحرس الثورة أن أوقع مقاتلة F-35، فخر الصناعة الأمريكية، ومرّ الموقف بقدر أقل من الغضب.. والتعقيب الأخير؛ إنما غرضه التصويب والاحتواء معًا.

كانت الهليكوبتر رسالة خاطئة فى صندوق البريد الأمريكى، وتنفيذ ضربات جراحيّة تالية أُريد منه تذكير صقور طهران، وتلوين الخط الأحمر بدرجة طازجة. وذلك فضلاً على امتصاص غضب نتنياهو فى تل أبيب، وطمأنته أيضًا.

أُجبر الضبع الصهيونى العجوز على التهدئة، دون شراكةٍ فيها، أو استشارة وإخطار، وقُمِع لاحقًا عن مُحاولات النفخ فى كومة الرماد، وعندما افتتحت إيران الجولة سُمِح له بالتعقيب الموجز، ثم سُحِبَت بطاقته الخضراء سريعًا.

تردّد أن ترامب احتدّ عليه فى اتصالٍ، وحذّره من أن التمادى قد يتركه وحيدًا فى المعركة، وأنه قاد البلد لمزيد من الكراهية، ولولاه لكان قابعا فى السجن الآن.

وبعيدًا من الدقة أو المُبالغة؛ فالثابت أن واشنطن مضت بعيدًا عن الأدوات الخشنة، ووسّعت قوس احتمالها لمُناكفات تُجّار البازار وناسِجى السجّاد فى التفاوض المباشر وعبر الوسطاء، والموجة التى جمعتها بتل أبيب قبل أشهر، انكسرت، أو انقسمت لمَوجتَين مُتباعدتين.

آلت الولاية الثانية إلى ما يبتعد كثيرا عن شعارات «ماجا» وأمريكا أوّلاً، وفى سنة أو أكثر قليلاً. أحس قائد الاندفاعة القوميّة الصارخة أنه وُرِّط فى الحرب، وأنها لا تتواءم مع أولوياته، وتخدم «بيبى» أكثر من خدمة مصالحه الآنية والمُستقبليّة.

يُدير مباراة التفاوض مع خصم ماكر، ويحتال عليه فى الآن ذاته؛ لتقويضه وسلب أوراقه تباعًا. خرجت سوريا من قبضة الفُرس تمامًا، والعراق فى الطريق، وكل الجهود مُوجّهة لإبرام اتفاق بين إسرائيل ولبنان، لإخراج الأخيرة من فلَك المُمانَعة، وإبطال ورقة الميليشيا الشيعيّة.

تعتدل الموازين فى بيروت؛ وإن ببطء. الموجة الشعبية مُتصاعدة مع الرئيس والحكومة. الضاحية دُمِّرت، والحزب يفقد بريقه. أحسّت طهران بالفخ؛ فأطلقت صواريخها على شمال فلسطين المُحتلّة، لاستدراك التحوُّلات المتسارعة عاطفيا وميدانيا.

ومن حيث أرادت أن تربط الساحات، أو تُجدّد بريق الشعار؛ فإنها أكدت انفصالها عمليًّا.. ذلك أن ضربتها لم تُعدِّل سلوك الاحتلال، ثمّ انقضت ولم يتوقّف العدوان.

أمّا عن واقعة الأباتشى وتداعياتها؛ فإنها انجراف مع تيار الانفعال بالوصول لإسرائيل، أو لا تعدو أن تكون خطأً عارضًا، قد ينتهى الآن، ويُحتَمَل أن يتكرّر، من دون أن يُضيف للدلالات السابقة معنىً إضافيًّا.

ولا تناقُض مع القول بانتهاء المواجهة؛ إذ الأخطر من الحرب الصريحة، أن تُترَك الجبهةُ للالتباس طويلاً؛ فتقع مناوشات بسبب اختلاف الحسابات، وسوء التقدير،  أو نتاج الملل والفتور، ورغبة الاستكشاف والتجريب.

اختبرت إيران الأجواء، داست على الخط الرفيع فى فضاء هُرمز، وأعلمَتْ مَن يَهمّه الأمر بحدود التشغيب، وتلقّت جوابَه بأنه لن يُمرّر استعراض القوّة، أو محاولات الهيمنة والاستئساد.

ستظلّ الأمور تُراوح مكانها طويلاً؛ لأنّ ثوابت المُعادلة تتفوّق على مُتغيّراتها. عندما كان الملعب مفتوحًا قصّرت لياقة اللاعبين، وحينما أُغلِقَ تضاءلت فاعليّة القوّة الخالصة، وفى الحالين ساد الإحباط وتآكلت القدرة على الاحتمال.

طالت المفاوضات، وقد تطول أكثر؛ لأن الفجوة عميقة، وكل واحدٍ منهما يرخى حبل الوقت ليلُفَّه الآخر على رقبته، ما يُؤمِّن له أفضل الشروط بأقل التنازُلات.

كلاهما يعرف أن النهاية لن تكون سعيدة تمامًا، ولا على ساعته وسابق حساباته؛ فيؤخّرها قدر الاستطاعة، لشراء مُتّسع يسمح بالمُناورة والاستنزاف، مع التيقُّن من أنهما سائران لا محالة إلى الاصطدام بجدارٍ مُحايد.

لن تفرض الولايات المُتّحدة إرادتها، أو تخرج بكامل مطالبها المُعلنة، ولا الجمهورية الإسلامية ستكون غدًا كالأمس، أو تتعافى سريعًا وتستعيد مشروعها الإقليمى.

خسر الأمريكيون إذ لم يربحوا كعادتهم؛ لكنهم أضرّوا بالإيرانيين ماديًّا ومعنويًّا، ومنحوهم صورة الصمود والفاعلية؛ لكنهم سلبوهم إمكانية الاستمرار لاحقا على ذات المنوال!

مناوشات مُتقطّعة، يتباطأ إيقاعها ويتسارع، وقد تتكرّر على فترات؛ لكنها من عمل المصارين المُتعاركة، وأقرب للغازات. لن تتطوَّر إلى حربٍ كاملة، ولن تنتهى تمامًا ليسود السلام.

تعبير صريح عن الاستعصاء، يُمهِّد الأرض لمُنازلةٍ غير مُتكافئة، وغير قابلة للحسم. مُقدّمة لصفقة سيئة ولو بعد أمدٍ؛ حالما يقتنع الطرفان بأن التسوية أفضل من الاستنزاف، أو بأن الجمود قد نضج بما يكفى لتثبيته فى اتفاق!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة