تشهد أروقة الإخوان في الخارج حالة متصاعدة من الانقسام والصراع الداخلي، خاصة بين ما يعرف بجبهتي لندن وإسطنبول، في وقت تتزايد فيه شكاوى شباب الجماعة والعناصر الهاربة من تعرضهم لضغوط متواصلة واستغلال أوضاعهم الإنسانية والمعيشية من قبل القيادات المقيمة بالخارج، التي باتت تستخدم ملفات الإقامة والجنسية والعمل والمساعدات المالية كوسائل للسيطرة وفرض السمع والطاعة داخل التنظيم.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت الخلافات التنظيمية داخل الجماعة إلى صراع نفوذ حاد بين القيادات التاريخية التي تدير المشهد، وأخرى استقرت في إسطنبول، حيث تسعى كل جبهة إلى فرض سيطرتها على الموارد المالية والمنصات الإعلامية وشبكات الدعم الخارجي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أوضاع الشباب الهاربين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين صراعات القيادات وتصفية الحسابات الداخلية.

الإخوان
اتهامات شباب الإخوان
هذه الخلافات التي ظهرت على السطح في 2017، عندما اتهم عز الدين دويدار، القيادى الإخوانى المحسوب على جبهة اللجنة الإدارية العليا للجماعة، محمود عزت، القائم بأعمال مرشد الإخوان، وقيادات مكتب إرشاد الجماعة الحاليين، بالاستيلاء على صناديق استثمار التنظيم فى الخارج، والتى وصلت حصيلتها لمليارات الدولارات.
وقال "دويدار" فى بيان نشره عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك"، إن هناك أشخاصا قليلين داخل الإخوان يديرون "مجموعة عزت"، باختيارهم طريق الضغط المادى ومساومة الإخوان، فرادى ومجموعات وهياكل، بالحرمان من أموال الرابطة التى يسيطرون عليها، على قاعدة الولاء، وهم بهذا يقدمون للإخوان خدمة جليلة، فى ظل فقر موارد الجماعة الشديد، مع توفر صناديق واستثمارات بمليارات الدولارات تحت أيدى مجموعة قليلة من نخبة "نادى الثقات" بالجماعة.
واستطرد القيادى الإخوانى عز الدين دويدار، قائلاً: "هذا الفرز على المصالح والمنافع الشخصية، نتيجته الحتمية أنه لن يبقى فى جماعة الإخوان إلا أصحاب الراية، الذين رفضوا المساومة وضحوا وخاطروا بالسكن والراتب والمصروف والإعانة والمنحة، فى مقابل عدم الولاء لمحمود عزت، وهذا الفرز أيضا يحول مجموعة محمود عزت مع الوقت لنادى عجزة، أو نقابة مصالح، أو جمعية خيرية لمجموعة مستثمرين، تدير رعاياها المحتاجين لوجودها".

عز الدين دويدار
وتابع "دويدار" بيانه المهاجم لمكتب الإرشاد ومجموعة محمود عزت: "قطار الإخوان طوال عقود تفاهمات عهد مبارك، تضخم بشكل هائل، باعتبارات ودوافع اجتماعية، على حساب الفكرة، فكانت الراية تجر الصف جرًّا، على سرعة أبطأهم وأضعفهم، وللأسف ضم الصف من كانوا يسيرون للخلف".
تراجع الدعم المالي
كثير من شباب الإخوان المقيمين في الخارج يعيشون أوضاعا معيشية وإنسانية صعبة، خاصة بعد تراجع الدعم المالي وتقلص الموارد التي كانت توفرها الجماعة في السنوات الماضية، وهو ما منح القيادات أدوات ضغط إضافية للتحكم في الأفراد وإجبارهم على الالتزام الكامل بالتوجيهات التنظيمية وعدم الخروج عن الصف.
بعض القيادات أصبحت تتحكم بشكل مباشر في ملفات الإقامة والسكن وفرص العمل الخاصة بالعناصر الهاربة، حيث يتم استخدام تلك الملفات كوسيلة للعقاب أو المكافأة وفقا لدرجة الولاء والانتماء لكل جبهة، في ظل اتهامات متبادلة بين قيادات لندن وإسطنبول بمحاولة استقطاب الشباب والسيطرة عليهم عبر الإغراءات المالية أو التهديد بحرمانهم من الدعم، بينما بعض الشباب تعرضوا لضغوط نفسية ومادية كبيرة بعد رفضهم الانحياز لأي من الجبهتين، إذ جرى تقليص المساعدات المالية المقدمة لهم أو التلويح بوقف الدعم القانوني المتعلق بالإقامة وتجديد الأوراق الرسمية، الأمر الذي دفع عددا منهم إلى الانسحاب الكامل من النشاط التنظيمي أو الابتعاد عن المشهد بصورة نهائية.

الإخوان
أدوات الضغط
الأزمة الحالية داخل الجماعة كشفت طبيعة العلاقة غير المتوازنة بين القيادات والعناصر الشابة، حيث تحولت شعارات "الأخوة" و"التضحية" التي طالما رفعتها الجماعة إلى أدوات للضغط والسيطرة، في وقت يعيش فيه كثير من الشباب أوضاعا قانونية وإنسانية معقدة داخل الدول التي فروا إليها، دون وجود ضمانات حقيقية لمستقبلهم أو استقرارهم.
وتفاقمت حدة الأزمة مع تراجع قدرة الجماعة على توفير التمويل السابق نفسه، خاصة بعد الضغوط التي تعرضت لها شبكاتها الاقتصادية والإعلامية في عدد من الدول، ما أدى إلى اشتعال المنافسة بين القيادات على الموارد المتبقية، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على العناصر الشابة التي أصبحت الحلقة الأضعف في معادلة الصراع التنظيمي.
الانقسامات الحالية داخل التنظيم لم تعد مجرد خلافات فكرية أو إدارية، بل تحولت إلى صراع مفتوح على النفوذ والتمويل والسيطرة، تستخدم فيه كل الأدوات الممكنة، بما في ذلك ملفات الجنسية والإقامة والسكن والتوظيف، وهو ما تسبب في حالة من الإحباط والغضب بين قطاع واسع من الشباب الذين شعروا بأنهم تحولوا إلى رهائن بيد القيادات المقيمة بالخارج.
حالة التوتر والانشقاق داخل الجماعة قد تدفع مزيدا من العناصر إلى مراجعة مواقفها والانفصال عن التنظيم، خاصة في ظل شعور متزايد لدى الشباب بأن القيادات التاريخية تستخدمهم كورقة ضغط وأداة لخدمة مصالحها الشخصية والتنظيمية، دون الاهتمام الحقيقي بمصيرهم أو معاناتهم اليومية.
وفي ظل استمرار هذا الصراع بين جبهتي لندن وإسطنبول، تبقى أوضاع شباب الجماعة الهاربين مرهونة بقرارات القيادات المتصارعة، وسط مخاوف من اتساع دائرة الانقسامات وتفاقم الأزمات الإنسانية والتنظيمية داخل صفوف الجماعة، التي تواجه واحدة من أعقد مراحلها منذ سنوات طويلة.