تظهر متابعة خطاب القنوات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية وجود حالة تطابق لافتة في البنية السردية عند تناول مختلف القضايا، بما يكشف اعتماداً منظماً على نموذج إعلامي موحد يدار بمنطق "الاسكريبت الواحد"، وليس بمنطق التعدد أو التنوع في التناول، ففي جميع الملفات التي يتم طرحها، يتكرر نفس البناء تقريباً دون تغيير حقيقي، مقدمة انفعالية، تضخيم حاد للأزمة، إلغاء كامل للسياق، ثم تعميم شامل لحالة من الفشل أو الانهيار، وهو ما يعكس نمطاً ثابتاً في صناعة الرسائل الإعلامية لا يتغير بتغير الموضوعات، بقدر ما يعاد تدويره بصورة مستمرة لخدمة هدف واحد يتمثل في تكريس الإحباط وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.
مركزية في إنتاج المحتوى وإعادة تدوير الرسائل بصورة ممنهجة
هذا التوحيد في الخطاب لا يعبر عن تشابه طبيعي في وجهات النظر، بل يكشف عن مركزية واضحة في إنتاج المحتوى، حيث يتم إعادة استخدام نفس القوالب اللغوية والانفعالية عبر منصات متعددة، بما يمنح انطباعاً زائفاً بوجود حالة عامة من السخط والغضب الشعبي.
لكن الواقع أن ما يتم تقديمه ليس تعدداً إعلامياً حقيقياً، بل إعادة إنتاج لنفس الرسالة في أشكال مختلفة، مع تغيير شكلي محدود في العناوين أو طريقة العرض، بينما يظل الجوهر ثابتاً دون تغيير وهو تضخيم الأزمات، وتعميم الفشل، وتصدير صورة سوداوية متكررة عن كل الملفات.
وتعتمد هذه المنظومة على ضخ كميات كبيرة من المحتوى المتشابه في توقيتات متقاربة، بما يخلق حالة من الإغراق الإعلامي المقصود، ويجعل المتلقي محاصراً بنفس الرسالة أينما اتجه، حتى تبدو وكأنها حقيقة عامة نتيجة كثافة التكرار، لا نتيجة دقة المعلومات.
مفردات انفعالية ثابتة تعيد تشكيل الإدراك العام بصورة سلبية
تتكرر في هذا الخطاب مفردات بعينها بشكل دائم مثل، فشل، انهيار، تدهور، غياب الحلول، أزمة مستمرة، وهي كلمات لا ترتبط بملف محدد، بل أصبحت أدوات ثابتة لبناء شعور عام بالإحباط والغضب، وهذا الاستخدام المتكرر للمفردات الانفعالية لا يستهدف توصيف الواقع بقدر ما يستهدف إعادة تشكيل الإدراك العام تدريجياً، بحيث يصبح الانطباع السلبي هو القاعدة الأساسية التي ينطلق منها المتلقي في تقييم أي حدث أو ملف، حتى قبل معرفة تفاصيله الحقيقية.
كما تتعمد هذه القنوات عزل أي أزمة أو مشكلة عن سياقها الكامل، بحيث يتم تقديمها باعتبارها دليلاً على “انهيار شامل”، في تجاهل متعمد لأي جهود إصلاح أو معالجات قائمة، بما يخدم حالة التشويه المستمر للواقع.
صناعة سرديات مظلمة وتحويل الإعلام إلى أداة تعبئة نفسية
الهدف من هذا "الاسكريبت الواحد" يمتد إلى إعادة تشكيل وعي المتلقي نفسه، عبر تقديم كل الملفات في صورة واحدة تتمثل في الانهيار الشامل، بما يحول الإعلام من وسيلة لنقل المعلومات إلى أداة تعبئة نفسية قائمة على بث القلق والتشكيك بصورة يومية.
وتسعى هذه المنصات إلى خلق حالة دائمة من الاحتقان النفسي لدى الجمهور، عبر تحويل كل قضية إلى معركة، وكل أزمة إلى كارثة، وكل تحدٍ إلى دليل على سقوط كامل، في إطار خطاب يعتمد على الانفعال لا التحليل، وعلى الصدمة لا الفهم.
طارق البشبيشي: توحيد الخطاب يفضح وجود غرفة إدارة مركزية لإعلام الجماعة
وفي هذا السياق، أكد طارق البشبيشي الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، أن حالة التطابق الواضحة بين القنوات والمنصات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية تكشف وجود إدارة مركزية تتحكم في طبيعة الرسائل الإعلامية التي يتم ضخها بشكل يومي.
وقال "البشبيشي" إن ما نراه ليس عملاً إعلامياً طبيعياً، لكنه عملية دعائية منظمة تدار وفق اسكريبت موحد يتم توزيعه على الأذرع الإعلامية المختلفة، بحيث تبدو الرسائل وكأنها صادرة من مصادر متعددة بينما هي في الحقيقة تعكس توجيهاً واحداً.
وأضاف أن الجماعة تعتمد على تضخيم أي أزمة أو مشكلة معيشية وتحويلها إلى مادة لإثارة الغضب الجماعي، لأنها تدرك أن الحرب النفسية أصبحت سلاحها الأساسي بعد سقوط قدرتها على الحشد السياسي المباشر.
وأشار إلى أن خطورة هذا الخطاب تكمن في اعتماده على التكرار المكثف للمفردات السلبية، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل وعي المتلقي بصورة تدريجية، حتى يصبح الإحباط هو الحالة الذهنية المسيطرة، وهو ما يخدم أهداف الجماعة في نشر الفوضى المعنوية وفقدان الثقة داخل المجتمع.
وشدد البشبيشي على أن توحيد الخطاب بهذه الصورة يفضح زيف الادعاء بوجود تنوع إعلامي داخل المنصات التابعة للجماعة، مؤكداً أن جميعها تتحرك وفق رؤية واحدة تستهدف تشويه الواقع وبث السرديات السوداوية بصورة مستمرة.