تواجه القارة الأوروبية واحدة من أخطر الموجات الاقتصادية منذ سنوات، في ظل تصاعد متسارع لأزمة الطاقة العالمية، التي بدأت تداعياتها تمتد من أسواق النفط والغاز إلى قطاع الطيران والنقل والتجارة، وسط مخاوف متزايدة من دخول القارة في مرحلة "ضغط اقتصادي مزدوج" يجمع بين ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات.
انفجار أسعار النفط والغاز
قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بشكل كبير خلال الساعات الأولى من التداول في الأسواق صباح الاثنين، وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار كامل على مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر الغاز الهولندي (TTF) بنسبة وصلت إلى 17% ، بعد مرور ساعات من تهديدات ترامب حول فرض حصار فرض كامل على مضيق هرمز، كما تم تمديد ساعات التداول على هذا الغاز يوم الاثنين من 10 إلى 21 ساعة.
وجاء هذا الارتفاع بعد فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق، عقب مفاوضات مطولة جرت في باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أثار شكوكًا بشأن إمكانية التوصل إلى حل دائم للصراع المستمر منذ ستة أسابيع، والذي أدى إلى تعطيل نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وقفزت أسعار النفط العالمية إلى ما فوق 100 دولار للبرميل مجددًا، في تطور صادم يعكس تصاعد التوترات الجيوسياسية بعد قرار ترامب فرض حصار بحري على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وجاءت هذه القفزة بعد فشل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، ما دفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر بشكل سريع، وارتفع خام برنت إلى أكثر من 101 دولار للبرميل، بينما تجاوز الخام الأمريكي 104 دولارات، في ارتفاعات حادة تعكس القلق من تعطل الإمدادات النفطية العالمية .
بروكسل تدرس سيناريوهات طارئة
وبحسب تقديرات وتحليلات صادرة عن دوائر اقتصادية أوروبية، فإن بروكسل تدرس حاليًا سيناريوهات طارئة تتعلق بإدارة استهلاك الطاقة، تشمل احتمالات “تقنين جزئي للوقود” في بعض القطاعات الحيوية، إذا استمرت حالة الاضطراب في الأسواق العالمية المرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، نقلت مصادر قريبة من دوائر اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي أن الوضع يتحول بسرعة من أزمة أسعار إلى أزمة إمدادات فعلية، وقال مسؤول أوروبي مطلع على نقاشات داخلية:" نحن أمام سيناريو غير مسبوق منذ أزمة الطاقة السابقة.. لكن هذه المرة العامل الجيوسياسي أكثر خطورة وتعقيدًا".
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي اضطرابًا حادًا، مدفوعًا بتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.
وتشير بيانات الأسواق إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط، حيث تجاوز الخام حاجز 100 دولار للبرميل في بعض التداولات، بالتزامن مع قفزات قوية في أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، وصلت في بعض العقود الآجلة إلى نسب ارتفاع مزدوجة الرقم خلال أيام قليلة فقط.
هذا الارتفاع انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل داخل القارة الأوروبية، ما دفع العديد من الشركات إلى إعادة تقييم خططها التشغيلية، وسط مخاوف من استمرار الضغط التضخمي.
شلل فى قطاع الطيران
وفي قطاع الطيران، حذرت شركات أوروبية من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الجداول الجوية، وقال متحدث باسم إحدى شركات الطيران الكبرى: إذا استمر هذا المسار التصاعدي في أسعار الوقود، فإننا سنضطر إلى اتخاذ قرارات صعبة تشمل تقليل عدد الرحلات أو إعادة تسعير التذاكر بشكل كبير
كما أفادت تقارير لوجستية بأن سوق وقود الطائرات يواجه ضغوطًا متزايدة، مع مؤشرات على احتمال حدوث نقص فعلي في الإمدادات خلال 3 أسابيع، إذا لم يتم احتواء أزمة سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة.
وفي موازاة ذلك، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي أي تعطيل محتمل في مضيق هرمز إلى صدمة طاقة عالمية، نظرًا لأن هذا الممر يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز في العالم.
وقال خبير في أسواق الطاقة: المشكلة ليست فقط في الأسعار.. بل في حالة الذعر التي تتشكل في السوق. أي تهديد لمضيق هرمز يعيد تسعير المخاطر عالميًا خلال ساعات
وتربط تحليلات اقتصادية هذا الاضطراب بتصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك استمرار الحرب في إيران وتزايد التصريحات التصعيدية من أطراف دولية، وهو ما يعمّق حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.
كما أشارت تقارير أوروبية إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة بدأ ينعكس على معدلات التضخم داخل دول الاتحاد، ما يضع ضغوطًا إضافية على البنوك المركزية وصناع القرار الاقتصادي.
وفي بروكسل، تتزايد الدعوات لتسريع خطط التحول الطاقي، وتوسيع المخزونات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية الحساسة سياسيًا.
وقال مسؤول في ملف الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي: الأولوية الآن ليست فقط خفض الأسعار بل ضمان استمرارية الإمدادات.. لأن أي انقطاع قد تكون له تداعيات اقتصادية واسعة النطاق.
وتحذر مؤسسات بحثية من أن استمرار الوضع الحالي دون تسوية دبلوماسية قد يدفع أوروبا إلى سلسلة من الأزمات المتداخلة، تبدأ من الطاقة، وتمتد إلى الطيران، ثم التضخم، وصولًا إلى تباطؤ اقتصادي شامل.
وبينما تتصاعد الأزمة عالميًا، تبدو أوروبا أمام اختبار اقتصادي وجيوسياسي بالغ التعقيد، قد يعيد تشكيل سياسات الطاقة وسلاسل الإمداد خلال السنوات المقبلة، في عالم أصبح أكثر حساسية لأي اضطراب في مصادر الطاقة.