عقود طويلة كانت فيها المجاملات وغض البصر هي اللغة السائدة في ردهات بعض وحدات الإدارة المحلية، حيث كان البلدوزر يتحرك فقط بعد أن يصبح البرج السكني أمراً واقعاً، ولكن، مع انطلاق الموجة 28 لإزالة التعديات، ظهر لاعب جديد غير قواعد اللعبة تماما، إنها منظومة المتغيرات المكانية.
خلال هذا التحقيق، نكشف كيف حاصرت التكنولوجيا مخالفات البناء، وهل نجحت فعلياً في إنهاء عصر "المحسوبية"؟
رصد بالملي متر ولا مجال للهرب
لم يعد المخالف يراهن على عطلة نهاية الأسبوع أو جنح الليل لبناء حائط سد، فوفقا لتقرير صادر عن وزارة التنمية المحلية والبيئة منذ ايام، تم رصد والتعامل مع 15,228 حالة متغير مكاني غير قانوني خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، فضلا عن استعادة 2.1 مليون متر من أملاك الدولة.
يقول مصطفى . س. ع ، فني بوحدة المتغيرات المكانية بأحد محافظات وسط الدلتا، إن المنظومة الحالية الخاصة برصد مخالفات البناء لا تعرف أحدا، فالقمر الصناعي يرسل صورة للموقع قبل وبعد، وإذا ظهر أي تغير في اللون أو الكتلة سواء بناء أو حفر، يطلق النظام إنذاراً آلياً.
ويضيف مصطفى قائلا :" أن الموظف الآن مجبر على النزول للموقع وتصوير الإزالة ورفعها على السيستم، وإلا سيُحاسب هو شخصياً بتهمة التقاعس".
حصار المخالفات فى المهد
الأرقام التي استعرضتها الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، عبر هذا التقرير الاخير، تؤكد أنها لم تكن مجرد إحصائيات، بل هي شهادة وفاة لثقافة التراخي، فقد كشف التقرير عن إحباط 19,639 حالة مخالفة في المهد.
وفى السياق ذاته تؤكد مصادر مسؤولة بالوزارة أن الربط الإلكتروني بين منظومة المتغيرات ومركز سيطرة الشبكة الوطنية للطوارئ، جعل الرقابة "لحظية".
ويضيف أحد المصادر المسؤلة بوزارة التنمية المحلية والبيئة قائلا: "سابقاً كان المحضر يستغرق أياماً ليصل من الوحدة المحلية للمحافظة، الآن الإشارة تصل في ثوانٍ، والإزالة تتم والبث المباشر ينقل الواقع للوزارة في القاهرة".
هل ترصد الأقمار ما بداخل الغرف المغلقة؟
رغم كل هذه النجاحات، يطرح أحد خبراء التخطيط تساؤلاً هاما: هل ترصد المنظومة التعديات الداخلية أو التعلية في المناطق شديدة الزحام؟، مضيفا أن المنظومة تطورت لرصد الارتفاعات أيضاً من خلال تحليل الظلال والكتل، لكنها اعترفت بأن العنصر البشري المتمثل في المتابعة الميدانية يظل مكملاً لا غنى عنه، خاصة في حالات التشطيبات الداخلية أو المخالفات التي لا تغير من شكل المبنى الخارجي.
نهاية عصر المقاول الكحلي
خلال الفترة الماضية وعلى مدار العاميين الماضيين بالتحديد ، يكشف الواقع ان هناك تراجعاً ملحوظاً في نشاط المقاول الكحلي الذى يبنى فى الليل مستغلا الاجازات، حيث يقول أحد المواطنين بمرارة "حاولت بناء دور إضافي في الفجر، وفي الصباح وجدت لجنة الإزالة أمام منزلي ومعهم صور من القمر الصناعي توضح متى وضعت أول طوبة، التكنولوجيا لا ترحم".
فبينما كان المخالف يراهن في الماضي على بطء الإجراءات، أصبح الآن يواجه سرعة الضوء، إن منظومة المتغيرات المكانية ليست مجرد أداة تقنية، بل هي إرادة سياسية نجحت في تحويل أجهزة المحليات من طرف في الأزمة إلى أداة للحل، ليبقى السؤال هل تستمر هذه اليقظة الرقمية حتى القضاء على آخر مخالفة بناء في مصر؟.
معلومات تهمك
بالأرقام.. حصاد التكنولوجيا في الموجة 28 لإزالة التعديات
• 12,886 متغير مكاني بالبناء تم دكه.
• 2,342 متغير مكاني زراعي تم رصده وتطهيره.
• صفر مجال للمجاملة في تقارير "البث المباشر".