في قلب نوادي مصر ومراكز شبابها، وتحديداً في تلك الزوايا المخصصة لتنفيذ أحكام "الرؤية"، يتجدد مشهد سينمائي بائس يتكرر كل أسبوع؛ آباء يجلسون على مقاعد خشبية متهالكة، يمسكون بأكياس الهدايا والألعاب، تفيض عيونهم بانتظار لا ينتهي، بينما عقارب الساعة تطاردهم لتنهي لقاءً هو في الأصل "حق إنساني" لكنه تحول في أروقة المحاكم إلى عقوبة قصيرة الأمد.
هنا في هذه المساحة، نفتح الملف الأكثر وجعاً في بيوت بعض المواطنين، ملف "قانون الرؤية" الذي يراه مئات الآلاف من الآباء والخبراء بمثابة "مقصلة" نفسية لا تذبح الأب وحده، بل تقتلع جذور الانتماء من قلوب الصغار، وتخلق جيلاً من المشوهين نفسياً بسبب صراع الكبار.
حكايات من دفتر الوجع.. وجوه تبدلت وقلوب جمدها المنع
تبدأ مأساة (عادل. م)، مهندس معماري، حين يروي كيف تحولت علاقته بابنه الوحيد إلى "زيارة رسمية" تحت مراقبة الغرباء. يقول بمرارة: "انفصلت عن زوجتي والطفل عمره عامين، والآن هو في السابعة.
على مدار 5 سنوات، لم أره خارج أسوار مركز الشباب. هل يتخيل أحد أنني لا أعرف مقاس حذائه؟ لا أعرف ماذا يحب أن يأكل في العشاء؟ الأم تصر على الحضور في كل مرة لتفسد اللقاء، تهمس في أذنه بكلمات تجعله ينفر مني، حتى وصل الأمر به أن يناديني باسمي المجرد دون كلمة بابا."
أما (ياسر. ج)، وهو أستاذ جامعي، فيحكي عن صدمة "تبدل الملامح" التي يختبرها الآباء. يقول: "قانون الرؤية يمنحني ساعات أسبوعياً، لكن التعنت يمنحني العدم.
الأم تدعي المرض تارة، والسفر تارة أخرى، وقد تمر شهور دون أن أرى ابنتي. في إحدى المرات حين رأيتها بعد غياب طويل، صدمت بأنها كبرت وتغيرت ملامحها لدرجة أنني لم أتعرف عليها للوهلة الأولى في الزحام.
شعرت حينها أنني غريب يطارد سراباً، وأن ابنتي أصبحت مجرد صورة في هاتفي لا روح فيها."
هذه القصص ليست استثناءً، بل هي القاعدة في عالم "الرؤية"؛ حيث يُستخدم الأطفال كـ "دروع بشرية" أو "سلاح للضغط المادي"، وتتحول ساعات اللقاء من وقت للمودة إلى جلسة استجواب أو تجاهل متعمد يفرضه الطرف الحاضن على الصغير لكسر قلب الأب.
مقصلة القانون.. لماذا يصرخ الآباء طلباً للتغيير؟
تتبلور معاناة الآباء في نقاط جوهرية يصفونها بأنها "عوار قانوني" يحتاج لثورة تشريعية، ومن أبرز هذه المعاناة:
1. سجن مراكز الشباب:
يرفض الآباء بشدة أن يكون مكان اللقاء هو "مركز شباب" أو "نادي عام" يعج بالضجيج والمارة. هذا المناخ يمنع الأب من ممارسة دوره التربوي، فلا خصوصية للحديث، ولا أمان للمشاعر، والطفل يشعر بالخجل أمام أقرانه حين يرى والده في هذا الوضع المهين.
2. سلاح "التعنت والمنع":
غياب الرقابة الحقيقية على تنفيذ الأحكام جعل من "الهروب من الرؤية" رياضة تمارسها بعض الحاضنات. فالغرامة المالية الهينة لا تردع أحداً، والأب يجد نفسه يدور في حلقة مفرغة من المحاضر الرسمية التي لا تعيد له حضن طفله.
3. ضياع الهوية الأبوية:
الرؤية بوضعها الحالي تجعل من الأب مجرد "ماكينة صراف آلي" أو "زائر هدايا". الطفل لا يرى والده وهو يذاكر له، أو ينام بجواره، أو يشاركه تفاصيل يومه الصغير، مما يخلق فجوة وجدانية تجعل دور الأب هامشياً في حياة ابنه.
مطالب عادلة.. "الاستضافة" هي طوق النجاة
من رحم المعاناة، صاغ الآباء قائمة مطالب يرونها "الحد الأدنى" لاستعادة آدميتهم، وعلى رأسها:
إقرار حق "الاستضافة":
وهو المطلب الأهم، بأن يكون للأب الحق في استضافة طفله في منزله لمدة يومين في الشهر أو خلال الإجازات، ليعيش الطفل في كنف عائلة والده (الأجداد والعمات)، مما يعزز صلة الرحم ويشعر الصغير بالاستقرار.
عقوبات رادعة للممتنعين:
يطالب الآباء بأن يكون الحرمان من الرؤية لثلاث مرات متتالية سبباً موجباً لنقل الحضانة بشكل مؤقت أو نهائي، لضمان التزام الحاضنة بتنفيذ القانون.
توفير أماكن آدمية:
استبدال مراكز الشباب المتهالكة بأماكن اجتماعية مجهزة تليق بالعلاقات الإنسانية، مع توفير أخصائيين اجتماعيين حقيقيين وليس مجرد "موظفين إداريين" يسجلون الحضور والانصراف.
الروشتة النفسية والاجتماعية.. كيف ننقذ مستقبل هؤلاء الأطفال؟
يحذر خبراء النفس والاجتماع من أن استمرار "حرب الرؤية" هو بمثابة "صناعة قنابل موقوتة" داخل المجتمع. فالطفل الذي ينشأ وهو يرى والده "مُهاناً" أو "ممنوعاً"، سيعاني مستقبلاً من اضطرابات الشخصية، وفقدان الثقة بالآخرين، والميل نحو العدوانية.
الروشتة النفسية المقترحة:
1. الوعي بعد الطلاق:
يجب على الطرفين إدراك أن "الزواج انتهى لكن الأبوة والأمومة مستمرة للأبد". لابد من كف اليد عن شحن الصغار بالكراهية.
2. التأهيل الإلزامي:
فرض دورات تأهيلية للوالدين المنفصلين حول كيفية التعامل مع الأطفال في مرحلة ما بعد الطلاق، بإشراف متخصصين.
3. تغليب مصلحة الصغير:
الطفل يحتاج لنموذج الرجل (الأب) ونموذج المرأة (الأم) ليكتمل نموه النفسي. حرمان الطفل من والده هو "بتر" لجانب هام من شخصيته.
إن قضية معاناة الآباء مع قانون الرؤية ليست قضية "ذكورية" أو "نسوية"، بل هي قضية وطن يريد أن يحافظ على أطفاله من الضياع.
إن النداء الآن موجه لصناع القرار لسرعة التدخل وتعديل قانون الأحوال الشخصية بما يضمن "المصلحة الفضلى للطفل" أولاً، ويعيد لكل أب حقه في أن يكون "أباً" حقيقياً، لا مجرد رقم في سجلات الغياب والانتظار.