محمد الضوينى

لعَلَّكُمْ تَتَّقون.. رمضانُ ورحلَةُ البَحثِ عنِ الطمأنينةِ

الإثنين، 09 مارس 2026 04:28 م


فى كلِّ عامٍ يُقبلُ شهرُ رمضانَ مُحمَّلًا بأنفاسِ الرحمةِ والهدايةِ، كأنَّه نفحةٌ ربانيةٌ تُوقظُ القلوبَ من غفلتِها، وتدعو الأرواحَ إلى مراجعةِ مسيرتِها، وتُذكِّرُ الإنسانَ بأنَّ للحياةِ غايةً أسمى من صخبِ المادةِ وضجيجِ الأيامِ.


رمضانُ موسمٌ لتزكيةِ النفوسِ، ومدرسةٌ ربانيةٌ يتدرّبُ فيها المؤمنُ على بلوغِ مقامِ التقوى، ذلك المقامُ الذى بيَّنَ القرآنُ الكريمُ أنَّه الغايةُ الكبرى من فريضةِ الصيامِ، قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، فالتقوى جوهرُ هذا الشهرِ وهذه الفريضةِ العظيمةِ التى امتنَّ اللهُ بها على الأمةِ، وهى الثمرةُ التى ينبغى أن يخرجَ بها المسلمُ من رمضانَ، إذ لا قيمةَ لصيامٍ لا ينعكسُ على الأخلاقِ والسلوكِ، ومن هنا كان الصيامُ الحقيقىُ هو الذى يُزكِّى النفسَ، ويهذِّبُ اللسانَ، ويضبطُ الجوارحَ، ويغرسُ فى القلبِ معانى الرحمةِ والعدلِ والإنصافِ.


إنَّ التقوى هى حياةُ قلبٍ يستشعرُ نظرَ اللهِ إليهِ، فيستقيمُ ظاهرُه وباطنُه، ويصفو سرُّه وعلانيتُه، وهنا يتحوّلُ الصيامُ من عادةٍ زمنيةٍ إلى عبادةٍ تربويةٍ، ومن امتناعٍ جسدى إلى ارتقاءٍ روحى، فيجدُ الصائمُ فى أعماقِه سكينةً لا تُشترى، وطمأنينةً لا تُوهبُ إلا لمن صدقَ فى طلبِها.


ولقد أشارَ النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى حين قال: «مَن لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ فى أن يدعَ طعامَه وشرابَه»، فبيَّنَ أنَّ حقيقةَ الصيامِ إصلاحُ القلبِ والسلوكِ، ومن هنا كانت رحلةُ رمضانَ رحلةَ بحثٍ عن الطمأنينةِ التى تُستمدُّ من التقوى ومخافةِ اللهِ تعالى.
وفى ليالى رمضانَ حين يقفُ العبدُ بين يدى ربِّه، يشعرُ بأنَّ الدنيا- على سعتِها- تضيقُ، وأنَّ القلبَ إذا اتصلَ باللهِ يتّسعُ، ويدركُ معنى ما قاله بعضُ الصالحين: «مساكينُ أهلُ الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيبَ ما فيها.. معرفةُ اللهِ ومحبتُه والأنسُ به»، وذلك هو سرُّ الطمأنينةِ التى يهبُها رمضانُ لمن صدقَ فى سلوكِه، وعلمَ أنَّ السعادةَ فى التقوى الجالبةِ للطمأنينةِ، فالقلبُ إذا صفا بالتقوى أورثَه اللهُ طمأنينةً هى أجلُّ من كلِّ متاعٍ.


كان أهلُ البلاغةِ يرون أنَّ أعظمَ البيانِ ما وافقَ حالَ القلبِ، ولذلك قالوا: إنَّ جمالَ الكلامِ فى حسنِ نظمِه وائتلافِ أجزائِه، وكذلك جمالُ العبادةِ فى اجتماعِ ظاهرِها وباطنِها، فإذا ائتلفَ عملُ الجوارحِ مع خشوعِ القلوبِ تمَّتِ الحكمةُ، وظهرتْ ثمرةُ الصيامِ، تقوى تُثمرُ طمأنينةً، وطمأنينةٌ تُثمرُ صلاحًا واستقامةً.


وختامًا.. إنَّ ليالى رمضانَ ما هى إلا محاريبُ أُنسٍ باللهِ، ومجالسُ قربٍ إليهِ، وسكينةٌ بهِ، وذلك هو لبُّ الطمأنينةِ التى يبحثُ عنها الناسُ فى صخبِ الحياةِ فلا يجدونَها إلا فى محرابِ العبوديةِ، فلنجعلْ من رمضانَ رحلةً صادقةً نحو التقوى، رحلةً نبحثُ فيها عن الطمأنينةِ فى موطنِها الصحيحِ.. فى صدقِ العبوديةِ، ودوامِ الصلةِ باللهِ تعالى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة