- اعتقال 40 عاملا فلسطينيا من الضفة الغربية أثناء اختبائهم في شاحنة نفايات للوصول إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر..
- اتحاد نقابات عمال فلسطين: 550 ألف عاطل و85% بطالة في غزة و74 عاملا استشهدوا خلال 2025..
في ركن منزو من قطاع غزة الذي نهشته الحرب، تصدر آلات الخياطة صوتا رتيبا يكسر هدوء المكان، حيث تجلس مجموعة من السيدات يمسكن بأيديهن أكياس الطحين الفارغة، التي كانت قبل أسابيع مجرد مخلفات لمساعدات غذائية، ليعدن تدويرها وتحويلها إلى منتجات صالحة للاستخدام.
يمثل هذا المشهد جانبا من "وحدة تشغيل النساء" التابعة لملتقى النجد التنموي، وهي مبادرة ولدت من رحم الحاجة لإيجاد فرص عمل مؤقتة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار الاقتصادي، حيث تسعى هذه الوحدة إلى تمكين النساء اللواتي يقعن في فئات مجتمعية هشة، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي أدت إلى شلل شبه كامل في كافة القطاعات الإنتاجية.
توضح فاتن أبو شرخ، مشرفة وحدة تشغيل النساء في ملتقى النجد التنموي، أن المشروع جاء استجابة للحاجة الملحة لدعم النساء اللواتي يعانين من فقدان المعيل وضيق الحال، وتؤكد في حديثها أن المبادرة تقوم بالأساس على تمكين السيدات ومساعدتهن عبر مراحل مدروسة لتدوير أكياس الطحين وتحويلها إلى أمل ملموس.
وقد تم اختيار المستفيدات بناء على معايير دقيقة تستهدف الفئات الأكثر تضررا، إذ يضم المشغل سيدات معيلات لأسرهن، وزوجات لشهداء، وأمهات لأسرى، بالإضافة إلى نساء أصبن خلال الأحداث الجارية، ولا تقتصر نتائج هذا المشروع على الجانب المادي فقط، بل إن له أبعادا نفسية واجتماعية عميقة، حيث تلاحظ أبو شرخ تحسنا كبيرا في نفسية العاملات اللواتي وجدن في العمل شبكة دعم متبادلة مكنتهن من تجاوز مرارة الفقد والنزوح.
"نهيل سامي العالول يروى قصته
وبين هؤلاء العاملات، تبرز قصة "نهيل سامي العالول" كشاهد حي على حجم المعاناة وقوة الصمود، فقد فقدت نهيل ثلاثة من أبنائها وابنة وزوجها، بينما يقبع ابن آخر لها في سجون الاحتلال، وهي اليوم تتكفل برعاية أطفال أيتام احتضنتهم منذ شهورهم الأولى، تتحدث نهيل بنبرة هادئة تعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، موضحه أن فرصة العمل التي وفرها لها ملتقى النجد لمدة ثلاثة أشهر كانت بمثابة طوق نجاة نفسي قبل أن تكون عائدا ماديا، وتصف نهيل كيف تمكن العمل خلال شهرين فقط من إخراجها من حالة الانعزال والاكتئاب التي فشل الطب النفسي في علاجها على مدار سنتين، مؤكدة أن العمل هو الوسيلة الوحيدة التي تمنح المرأة كرامتها وتجعلها قادرة على إعالة نفسها وحماية أطفالها من ذل الحاجة.
من ناحية أخرى، وفي لحظات مؤلمة توثق ذروة الانحدار المعيشي، أقدام نحو 40 عاملا فلسطينيا من الضفة الغربية على محاولة العبور إلى أماكن عملهم في الداخل المحتل بطريقة غير إنسانية حيث تكدسوا داخل شاحنة مخصصة لنقل النفايات، مجازفين بحياتهم وكرامتهم من أجل لقمة العيش، لم تكن هذه الرحلة القاسية سوى محاولة أخيرة للهرب من فقر مدقع وعوز لا يرحم، لكنها انتهت باعتقالهم جميعا في ظروف مهينة، لتصبح صورة العمال وهم يخرجون من بين أكوام النفايات تعبر عن مأساة شعب يطارد في رزقه ويحرم من أبسط حقوقه الإنسانية.
من ناحيته، أكد شاهر سعد، الأمين العام لاتحاد نقابات عمال فلسطين، من أمام معبر قلقيلية الذي غدا رمزا للتعطيل والشلل، على حد وصفه، ويوضح سعد أن هذا المعبر، الذي كان يشهد مرور 30 ألف عامل يوميا، تحول بفعل سياسات الاحتلال إلى مصدر للقهر والحرمان منذ أشهر طويلة، مشيرا إلى أن حكومات الاحتلال المتعاقبة تمارس سياسة فاشية تهدف إلى خنق العامل الفلسطيني وحرمانه من مصدر رزقه الوحيد، في مخالفة صريحة لكافة القوانين والتشريعات الدولية، مشددا على أن هذا الحصار يستدعي تحركا دوليا لمعاقبة الاحتلال، كما يتطلب جهدا داخليا لإعادة فتح المصانع المحلية وتشجيع الاستثمار لاستيعاب آلاف العمال الذين ضاقت بهم السبل.
ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 550 ألف عامل
وتشير البيانات الإحصائية الصادرة عن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين لعام 2026، إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 550 ألف عامل، ووصلت معدلات البطالة إلى 85% في قطاع غزة و38% في الضفة الغربية، ومنذ أكتوبر 2023، حرم أكثر من 250 ألف عامل من الوصول إلى أعمالهم، واستمر ذلك لأكثر من ثلاثين شهرا لبعضهم، مما أدى إلى استنزاف كامل لمدخراتهم وممتلكاتهم.
ووجه الاتحاد مطالب ملحة للحكومة الفلسطينية بضرورة التدخل الفوري لتعديل قانون العمل ليصبح متوافقا مع المعايير الدولية، وإقرار قانون شامل للحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي العادل، مشددا على ضرورة ربط الأجور بتكاليف المعيشة المرتفعة وإنشاء محاكم عمل متخصصة، والأهم من ذلك، إعفاء العمال المتعثرين من ديون التأمين الصحي وإلغاء أوامر الحبس الصادرة بحقهم نتيجة تراكم الديون الناجمة عن فقدان الدخل، مؤكدا أن الحماية الاجتماعية ليست ترفا بل هي ضرورة وطنية لحماية كرامة المواطن من الانهيار التام في ظل هذه الأزمة الطاحنة.
استشهاد 74 عاملا خلال عام 2025
كما سجلت دائرة السلامة والصحة المهنية استشهاد 74 عاملا خلال عام 2025 في مواقع عمل مختلفة أو أثناء محاولتهم الوصول إليها، بينهم من قضى برصاص الاحتلال أو نتيجة الملاحقة والاعتقال، وتؤكد الدائرة أن السلامة المهنية هي مسؤولية وطنية وأخلاقية تتطلب رقابة صارمة على أصحاب العمل لتوفير بيئة آمنة، وحماية العمال من "الموت خلف لقمة العيش"، مؤكدة أن هذه الأرقام تعكس استرخاص دم العامل الفلسطيني وتجاهل كرامته في مختلف أماكن تواجده، مما يجعل شعار "سلامة العامل أساس الإنتاج" غاية تتطلب نضالا نقابيا وقانونيا مستمرا.
وأبدى شاهر سعد قلقه إزاء مصير آلاف العمال المعتقلين الذين تجاوز عددهم 38 ألف حالة اعتقال منذ بداية الحرب، حيث يقبع الكثير منهم في ظروف مجهولة ويتعرضون لسياسات التنكيل والقتل البطيء، ويشير سعد إلى أن عدد الأسرى الإجمالي في السجون قد تخطى 9600 أسير، يعيشون تحت وطأة إجراءات قمعية تزايدت حدتها مؤخرا، محذرا من محاولات تشريع "قانون الإعدام" الذي يهدف لإضفاء شرعية على القتل الممنهج بحق أبناء الشعب الفلسطيني، وطالب سعد المؤسسات الدولية والنقابات الحقوقية بتجريم هذه الممارسات والتحرك السريع لإنقاذ الأسرى العمال من مقصلة الجوع والتعذيب.