تُعدّ البرديات المصرية القديمة من أهم المصادر التي كشفت تفاصيل الحياة في مصر القديمة، إذ سجل عليها المصريون القدماء شؤونهم الدينية والإدارية والاقتصادية، فصارت وثائق تاريخية ثمينة تساعد الباحثين على فهم طبيعة المجتمع المصري القديم، ومن أبرز هذه الوثائق "بردية هاريس الكبير Great Harris Papyrus"، التي تُعد أكبر بردية مصرية معروفة، وترجع إلى عهد الملك رمسيس الثالث، حيث توثّق إنجازاته والهبات التي قدمها للمعابد، مما يجعلها من أهم المصادر التاريخية لفترة أواخر الدولة الحديثة.
أطول برديات مصر القديمة
كانت بردية هاريس الكبرى في الأصل واحدة من أطول البرديات التي نجت من مصر القديمة: بلغ طول اللفة الكاملة 42 مترًا قبل تقسيمها إلى أقسام أصغر، كُتب النص بالخط الهيراطيقي، وهو خط يدوي مُعدّل من الهيروغليفية ليُستخدم فيه الحبر والفرشاة على ورق البردي، وذلك حسب ما جاء على موقع المتحف البريطاني الرسمي.
تنقسم البردية إلى خمسة أقسام، تصف الأقسام الثلاثة الأولى التبرعات التي قدمها الملك رمسيس الثالث (1184-1153 قبل الميلاد) لآلهة ومعابد طيبة ومنف وهليوبوليس، كانت المبالغ هائلة: فالقائمة المتعلقة بطيبة وحدها تتضمن 309,950 كيسًا من الحبوب وكميات كبيرة من المعادن والأحجار شبه الكريمة، يتناوب كل قسم من الأقسام الثلاثة مع رسم توضيحي يُظهر الملك وهو يقدم القرابين للعائلات المقدسة لآمون (رع)، وبتاح، ورع (حور آختي)، الآلهة الرئيسية لهذه المراكز العبادية، وتُرفق الصور بتعليقات هيروغليفية.
بردية هاريس الكبير
يتناول القسم التالي من البردية عددًا من المعابد الصغيرة، أما القسم الأخير فيسرد الأحداث التاريخية لعهد الملك، ويُفصّل ممتلكات جميع المعابد الكبرى عند وفاته، ويُصوّر النص الفوضى التي سادت بداية الأسرة العشرين (حوالي 1186-1069 قبل الميلاد)، بما في ذلك المعارك العسكرية مع شعوب البحر والليبيين والمشويش، فضلًا عن حملات أجنبية أخرى، من الواضح أن هذا القسم يُضفي طابعًا مثاليًا على الملك، ممجدًا إياه بدلًا من تقديم سرد تاريخي موثوق، ومع ذلك، فهو يتضمن العديد من المؤشرات المهمة لتاريخ عهد الملك، وينتهي السرد بوفاة رمسيس الثالث وتولي ابنه رمسيس الرابع الحكم (1153-1147 قبل الميلاد).
بردية هاريس