في مدينة الإسكندرية، حيث يعانق البحر المدينة برذاذه الهادئ، نشأت حنان كأي فتاة تحب الحياة وتضحك بملء قلبها. كانت ابنة المدينة الساحلية، بطبعها الهادئ وقلبها الطيب، لم تكن تبحث سوى عن القرب من الله. فكانت المساجد ملاذها، وتردد أذكار الصباح والمساء وردًا على لسانها. لكن القدر كان له موعد آخر معها
من حضن الجماعة إلى نور الحقيقة: قصة حنان بين البيعة والتمرد
لم تتوقع حنان، الطالبة في كلية التربية بجامعة الإسكندرية، أن السكينة التي كانت تبحث عنها ستقودها إلى زحام من التناقضات. فالجماعة التي التقطتها ببراءة طبعها وطاعتها الصامتة، لم تكن تريدها فقيهة في الدين، بل جنديًا في جيش ظل يعد عدته لعقود.
البيعة.. أولى هدايا الخداع
في عام لا تذكره حنان إلا بارتعاشة في الصوت، أقيم احتفال "البيعة". كانت الشموع مضاءة، والأصوات منخفضة، والوعود بالجنة معلقة في الهواء. خُيّل إليها أنها تقطع عهدًا مع الله، لكنها كانت في الحقيقة توقع على ولاء لتنظيم لم تكن تعرف حجم طموحاته الدموية بعد.
أصبحت "عضو عامل". الكلمة التي كانت تبدو لها وسام شرف تحولت على مر السنين إلى طوق من حديد. توزيع منشورات، تنظيم مظاهرات لنصرة فلسطين، واستقطاب فتيات أخريات. كانت القضية الفلسطينية، بجراحها الحقيقية، مجرد واجهة. خلفها، كان يتم تزييف وعي فتيات صغيرات بأن الحكام العرب خونة، وأن الحل الوحيد هو "الخلافة الإسلامية".
ثورة يناير.. أول شرخ في الجدار
مع انفجار ثورة 25 يناير 2011، شعرت حنان أن الأرض تتحرك تحت أقدامها. لكن الجماعة كانت قد قررت غير ما تظنه. فبينما كان الشباب يهتفون "الحرية والكرامة"، كانت الجماعة تحسب حصتها في السلطة.
"تعالي شوفي الفيديو ده... إزاي العساكر بيعملوا كده في المتظاهرين؟" كانوا يروّجون لأشرطة مفبركة، وعندما كانت حنان تجرؤ على الاعتراض بصوت خافت، كان الرد قاطعًا وحادًا: "إنتِ ناسية عملوا فينا إيه؟"
لم تكن تعرف حنان آنذاك أنها تشهد أولى لحظات انكشاف القناع.
صراع مرسي... عندما اصطدمت الطاعة بالعقل
في 2012، وبينما كانت الجماعة تعلن فجأة أن لها مرشحًا للرئاسة، اهزت الأرض من تحت قدميها. ليست هي وحدها، بل كل أخواتها في الإسكندرية. أليس هذا هو نفس الأمر الذي كانوا يقسمون أنه "حرام"؟ ألم يكونوا يرددون دومًا: "نحن مشاركون لا مغالبون"؟
لكن الطاعة العمياء كانت أقوى.
أطاعت حنان. نظّمت المظاهرات، وزّعت منشورات الدعاية لمرسي ولمجلسه النيابي، وحملت أوراق حزب الجماعة على أكتافها في شوارع الإسكندرية. لكن صوتًا خافتًا بدأ يناديها من الداخل: "لماذا يفعلون عكس ما يقولون؟"
رأت حنان رئيسًا لا يصلح للحكم، ومجلس نواب يسخر منه العالم، ووزيرًا من نظام مبارك – الذي كانوا يسمونه "الفيل الأكبر" – يصبح رئيس وزراء. ثم سمعت خطابًا إعلاميًا إخوانيًا سليط اللسان يسب ويقذف الأعراض.
"هل هذا هو الإسلام الذي جئت من أجله؟" سألت نفسها.
رابعة... حيث مات اليقين
ثم جاءت اللحظة الفاصلة: اعتصام رابعة.
تروي حنان ما رأته بصوت يرتجف وكأنها لا تزال هناك: "لم يكن اعتصامًا سلميًا. كان معسكرًا لإعداد جيش. اسطوانات غاز، زجاجات مولوتوف، وأسلحة. كانوا يشربون الشباب على كراهية الجيش والشرطة، ويقولون لهم إنهم يهود."
وصل الأمر بهامش من الجنون، كما تصف: "كانوا يقولون إن جبريل نزل يصلي بالناس في الاعتصام!"
في ذلك الوقت، بدأت حنان ترى حركة "تمرد" التي تجمع توقيعات الملايين. حتى جيرانها وأصدقاؤها وقعوا. أدارت رأسها فرأت مصر كلها تقول "لا" للجماعة التي كانت تعتقد أنها تمثل الدين.
30 يونيو... نظارة سوداء لا ترى النور
في 30 يونيو 2013، نزل الملايين إلى الميادين. لم تكن حنان بينهم في ذلك اليوم، لكنها كانت تراقب من نافذة قلبها المكسور.
"هؤلاء الناس... أهلي وجيراني... لا يمكن أن يكونوا كلهم على خطأ وأنا على صواب."
كانت تلك اللحظة التي نزعت فيها نظارتها السوداء بعد 18 عامًا من الطاعة العمياء. رأت لأول مرة وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي رجلاً أمينًا حافظ على الأمانة. وتذكرت كيف كان الأمن الرئاسي يحمي مرسي رغم كل اتهاماتهم للجيش بالخيانة.
"لو كانوا فعلاً خونة، لكانوا تركوه يأتيه رصاصة طائشة من أي مكان،" تقول الآن بأسف. "لكنهم أدوا واجبهم، وهذا دليل على أننا كنا نعيش في وهم."
شهادة على التاريخ
تصر حنان اليوم على أن تروي ما رأته في فض الاعتصام: "الجيش أعلن نداءات الإخلاء، وعمل ممرات آمنة، وأسقط علينا منشورات ومن بالونات على شكل قلوب حمراء. لكن الجماعة بدأت بإطلاق النار. أول الرصاصات كانت منهم. هذا ما قاله حتى صحفيو الجزيرة."
لم تكتفِ حنان بالخروج الصامت. بل أنشأت صفحة على "فيسبوك" باسم "مراجعات فكرية"، وكتبت: "أنتم تسيرون على خطى الخوارج." وصلتها تهديدات من داعش، ومن التنظيم الأم، لكنها صمدت.
تقف حنان اليوم شاهدة على أن الدين ليس في الخلافة المزعومة، بل في الانتماء للوطن وتغليب المصلحة العامة. قصتها ليست مجرد اعترافات، بل درس في الشجاعة: أن تترك صفوف الضلال بعد 18 عامًا، وأن تبدأ رحلة جديدة مع الله، مبنية على الفهم المتوازن للدين، لا على الطاعة العمياء لتنظيم يدّعي السماء ويخطط في وحل الأرض.
قصتها تستحق أن تُروى بإنصاف. بل تستحق أن تُقرأ كدرس لكل من يظن أن الحقيقة تُفرض، بينما هي في الحقيقة تُكتشف بجرأة القلب وإرادة العقل.